عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
221
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
عن السمر ، وقال : تخرج معنا إلى كوم قرح مكان يجتمع فيه عنده خلائق لا يحصون ! غ الليلة المذكورة ، ويطعمهم جميعا من الأطعمة الطيبة المشكورة ، فكرهت الإقامة الاجتماع بالخلق ، واعتذرت إليه في ذلك ، فقال : إذا كان لا بد من السفر ، فأقم عندنا إلى العشاء فوافقته في ذلك ، ثم حدثتني نفسي حينئذٍ ، وقالت لي : إذا أقمت تصوم أو تفطر ، فنازعتني في الإفطار ، فقال لي : في الحال تصالحها ، ثم قال لخادم عنده : هات الطعام ، فتباطأ قليلاً فشد الشيخ وسطه وجاءني بمائدة عليها الطعام ، فأكلت ، ثم قال لي : هل لك في مجلس علم ؟ اذهب إلى الموضع الفلاني ، فذهبت إلى ذلك الموضع ، فمكثت فيه يسيراً ، وإذ بفتوى قد جاءت من بعض القرى ، وحضر عندي حينئذٍ جماعة من الفقهاء ، منهم ابن الصاحب المذكور وغيره فقالوا لي : اكتب عليها ، فقلت لهم : أنا تركت ذلك في موضع إقامتي ، فكيف أكتب ذلك في بلاد الغربة . فقالوا : لا بد من ذلك ، فقلت : إن كان ولا بد . فليحضر صاحبها ، فأذكر له ما عندي في ذلك من الجواب ، ولا حاجة إلى رقم ذلك في كتاب ، فجاء صاحبها ، فذكرت له ما ظهر لي من الجواب ، ثم وقالوا لي : تقيم عندنا مدة حتى نشتغل عليك في كتاب الحاوي ، فاعتذرت من ذلك ، وعجبت من إشارة الشيخ فيما وقع من البحث في العلم هنالك ، وشاهدت منه هذه الكرامات المذكورات . أعني الطعام الذي اشتهيته ، ومصالحة النفس في الفطر ، والبحث في العلم . وأما قوله : ما أراها إلا غزالية ، فاسأل الله الكريم أن يمن علي بما كان عليه الإمام أبو حامد الغزالي من السيرة الحميدة في العلوم ، والأعمال الصالحات والانعزال عن الخلق ، والأنس في الخلوات . وأخبرني أنه صحب سبعين من الشيوخ . ذكر منهم الشيخ الكبير العارف بالله أبو العباس المرسي ، والولي الكبير الفقيه الإمام أحمد بن موسى بن عجيل ، وكان قد حفظ القرآن عليه ، وقرأ كتاب التنبيه ، ثم انقطع في زاوية ، ومع هذا ، فالناس مختلفون فيه فأكثر الناس يعتقدونه لكثرة ما سمعوا ورأوا من كراماته في مد السماطات العظيمة من غير وجود لأسبابها في الظاهر ، والمكاشفات الكثيرة ، والتكلم على الباطن ، ولا خادم يخدمه ، ولا معاون حتى قيل : إنه أطعم في ثلاث ليال متوالية ما قيمته ألف دينار ، ولم يزل يتوارد عليه الأمراء والوزراء ، وأبناء الدنيا ، وأهل المناصب الكبار . ومع ذلك يقريهم في الحال بما يدهش عقولهم من الأطعمة التي ليس للسلطان على إحضارها في الحال اقتدار ، بعض الناس لا يعتقدونه ، ويحمل ما يسمعه منه على تأويلات باطلة كما نقل عن ابن تيمية أنه قال : هو مخدوم لما اشتهر عنده ، واستفاض كثرة خوارقه للموائد لم يمكنه جحدها ، فحملها على هذا الظن الكاذب ، والتأويل الفاسد فيه ، فإن الجان