عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
216
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
الشافعي قاضي القضاة ، المفتي العلامة ، ذو الفنون والمناقب والرياسة والمناصب ، عن أربع وتسعين سنة وشهر . ولد بحماة سنة تسع وثلاثين وست مائة ، وسمع سنة خمسين من شيخ الشيوخ الأنصاري ، وبمصر من الرضي بن البرهان ، وللرشيد العطار وعدة ، وبدمشق من أبي اليسر وطائفة ، وأجاز له خلائق ، وحدث وتفرد في وقته ، وكان قوي المشاركة في فنون الحديث ، عارفاً بالتفسير والفقه وأصوله ، ذكياً يقظاً مناظراً متفنناً مفسراً خطيباً مفوهاً ورعاً صيتاً ، تام الشكل ، وافر العقل ، حسن الهدى ، متين الديانة ، ذا تعبد وأوراد ، وحج اعتمار ، وحسن اعتقاد في الأصول ، والصالحين من العباد . وله تصانيف سائرة ، وأربعون تساعية درس وأفتى واشتغل ، ثم نقل إلى خطابة القدس ، ثم طلبه الوزير ابن سلغوس ، فولاه قضاء مصر ، وارتفع شأنه ، ثم بعث على قضاء الشام ، ثم ولي خطابة دمشق ، وروى الكثير ، ثم طلب لقضاء مصر بعد ابن دقيق العيد ، وامتدت أيامه ، وحمدت أحكامه ، وكثرت أمواله ، وحسنت أعماله ، وترك الأخذ على القضاء عفة ، وكان يخطب من إنشائه ، ويتثبت في قضائه . ولي مناصب كباراً ، وكان قد صرفه السلطان بالماضي جمال الدين الزرعي نحو السنة ، ثم أعاده السلطان إلى منصبه ، ثم شاخ ، ونقل سمعه ، ثم أضر وعزل ، وأقبل على شأنه ، وعلى أستاذه ، وتفرد وصنف في علوم الحديث والأحكام وغير ذلك ، وله وقع في القلوب ، وجلالة في الصدور ، وكان والده من كبار الصالحين . قلت : هكذا ترجم عنه بعض المتأخرين بهذه الترجمة ، وهو جدير بها ما خلا ألفاظاً يسيرة أدخلتها فيها ، وكان حسن الاعتقاد في الصوفية ، وبلغني أنه سئل عن ذلك ، فقال كلاماً معناه أن سبب ذلك أنه كان إذا مر في صغره على فقير في بلاد الشام يقول : مرحباً بقاضي الديار المصرية ، وكان من أمره ما كان من السيرة الرضية . رحمه الله تعالى . وفيها توفي مفتي المسلمين الإمام الأجل شهاب الدين أحمد بن يحيى بن جميل الشافعي ، مدرس البادرائية ، سمع من الفخر علي ، وابن الزين ، والفاروثي . وتفقه على شرف الدين ابن المقدسي ، وابن الوكيل ، وابن النقيب ، ولي تدريس الصلاحية في القدس مدة ، واشتغل وأفتى ، وبرع في الفقه ، وولي مشيخة الظاهرية ، ثم نقل إلى تدريس البادرائية ، وله محاسن وفضائل ومكارم ، وفيه خير وتعبد ، وحج غير مرة .