عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
212
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
وفيها مات بمكة قاضيها ومفتيها ، ومدرسها وشيخ حرمها الصدر الكبير الفقيه العالم الشهير الإمام نجم الدين محمد ابن الإمام العالم القاضي جمال الدين ابن الشيخ الإمام الفقيه ، المحدث العلامة محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري . سمع من جماعة ، وتفقه على جده الإمام محب الدين المذكور ، وكان فقيهاً نجيباً بارعاً أديباً حليماً كريماً حسن الاعتقاد في الفقراء والعباد بحسن الأخلاق متصفاً متواضعاً ، وفي البحث منصفاً . ولقد كان مع جلالة قدره ، وعلو محله ، وجمعه المناصب الكثير ، والمناقب الكبيرة ، والمحاسن الشهيرة يقول في أثناء قراءتي عليه " كتاب الحاوي " الصغير الحرم الكثير العلم : لقد استفدت معك أكثر مما استفدت معي ، ويقول لي : لقد قرأت هذا الكتاب مراراً ما فهمته مثل هذه المرة . ولما فرغت من قراءته قال في جماعة حاضرين : اشهدوا علي إنه شيخي فيه ، وجاءني إلى مكاني في ابتداء قراءته لأقرأه عليه كل ذلك من التواضع ، وحسن الاعتقاد ، والمحبة في الله والود ، وكان قد قرأ الكتاب المذكور ، وشرحه على الشيخ الإمام الكبير عز الدين الفاروقي بحق روايته له عن مصنفه الشيخ الإمام عبد الغفار القزويني ، وكان القاضي نجم الدين المذكور محفوظه كتاب المحرر للإمام أبي القاسم الرافعي ، ولكنه كان معجباً بالحاوي ، ويقول : لو جاءنا الحاوي قبل أن أحفظ المحر لم أشتغل بالمحرر . وله نظم حسن ، وقد قدمت في ترجمته الشريف حميضة في سنة عشرين وسبع مائة أني سألت النبي عليه السلام في المنام السلامة له ، فتبسم عليه السلام ، وقال : " ما يصيبه شر " ، وكان له رحمة الله عليه نصيب وافر من الصالحين ، وبلغني أنه قال لبعض الكبار منهم : أريد أن أصحبك مع التخليط ، فقال : اصحبني على أي حال كنت ، وكانت والدته من الصالحات ، وكان قد تمرض في شبابه ، فافتجعت عليه فجعاً شديداً ، فمر بها شيخ لا تعرفه ، فقال لها : لا تخافي عليه ما يموت حتى يكون سنه سني سبعين سنة ، فلما مرض مرض موته كان يرجو العافية ، فدخل عليه صهره إمام المقام أحمد ابن شيخنا رضي الدين ، فقال له : ما عليك شر إن شاء الله تعالى قد بشرت والدتك إنك تعيش سبعين سنة ، وكان مرضه ذلك بعد كمال السبعين ، ولكنه كان غافلاً من ذكر ما جرى لوالدته مع الشيخ المذكور ، وكان الإمام أحمد جاهلاً بكونه قد بلغ السبعين ، فلما قال له ذلك صاح القاضي نجم الدين ، وأيقن بالموت ، فمات في ذلك المرض . وفيها توفي المعمر زين الدين أيوب بن نعمة النابلسي ، ثم الدمشقي الكحال : حدث عن جماعة وتفرد بمصر ودمشق ، ونيف على التسعين .