عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

169

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

المظفر صاحب اليمن طلب منه قرابته وأصحابه أن يشفع لهم عنده وطمعوا أن يحصل لهم منه نفع ، وكان عادة السلطان المذكور أن يطلب محب الدين في كل وقت ، فلما قدم مكة لم يطلبه ، ولم يجتمع به سوى عند قدومه فحصل لمحب الدين من ذلك قبض ، ولم يزل كذلك إلى أن فرغ من أعمال الحج ، ثم لقيه الشيخ أبو العباس المذكور ، فسأله عن حاله ، فأخبره إنما هو غير منشرح بسبب عدم ما كان يرتجي من النفع على يديه ، واشتغال السلطان عنه ، فقال له الشيخ أبو العباس عند ذلك : أنا الذي شغلته عنك خشية أن يشغلك عن أعمال الحج ، ولكن الآن أطلقه حتى يلتفت إليك ، ويطلبك كما كان . فعند ذلك أرسل السلطان يطلبه ، وقضى له ما أراد من حوائجه وحوائج من تعلق به من الناس . وفيها توفي ابن المقدسي خطيب دمشق ومفتيها ، وشيخ الشافعية بها الإمام العلامة شرف الدين أبو العباس أحمد بن نعمة الشافعي ، سمع من السخاوي وابن الصلاح ، وتفقه على ابن عبد السلام ، وبرع في الفقه والأصول والعربية ، وناب في الحكم مدة ، ودرس بالشامية والغزالية ، وكتب الخط المنسوب الفائق ، وألف كتاباً في الأصول ، وكان كيساً متواضعاً متنسكاً ، ثاقب الذهن ، مفرط الذكاء ، طويل النفس في المناظرة . توفي في رمضان - رحمه الله تعالى - . وفيها توفي صاحب اليمن الملك المظفر ابن الملك المنصور عمر . توفي في رجب ، وبقي في السلطنة نيفاً وأربعين سنة ، وملك أبوه قبله نيفاً وعشرين سنة ، وكان الملك المظفر المذكور له بعض مشاركة في بعض العلوم ، وكان كيساً ظريفاً يحب مجالسة العلماء ، ويعتقد الصالحين ، وجاء إلى شيخ اليمن ، وبركة الزمن ، والبحر الزاخر الذي يغرق فيه كل ماهر السيد الجليل أبي الغيث بن جميل - قدس الله روحه - ونعله في حلقه ، فقال الشيخ : ما تطلب ؟ الملك قال : وليتك . وكان أبوه قد قتل خادم الشيخ أبي الغيث ، فلما بلغه قتل خادمه قال : مالي ولمحراسه أنا أنزل عن أمشباب ، وأترك أمزرع ، فقتل عند ذلك الملك المنصور ، واستعار في ذلك استعارة حسنة ، وهي أنه جعل الخلق كالزرع ، وهو كالحارس له ، والمشباب بكسر الميم ، وسكون الشين المعجمة ، وتكرير الموحدة قبل الألف وبعدها . خشبات تنصب في وسط الزرع ، ويجعل عليها عريش يقعد الحارس عليه ، فإذا نزل عنه ضاع الزرع يترك الحراسة ، فنزل به التلف من سارق ، أو آكل بهائم ، أو صيد ، أو وحش مبدلاً لام التعريف بالميم كما هي لغة بعض اليمانيين ، وكما هو مشهور في كتب النحويين بل في كتب المحدثين أعني قولهم : يرمي ورائي بأمسهم وأمسلمة . وما روي من قوله عليه السلام : " ليس من أمير مصيام في أمسفر ، مجيبا لقول السائل