عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

160

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

كان فقيهاً فاضلاً صالحاً مفيداً منتفعاً به . مررت عليه عند زيارتي لقبر ابن عجيل المذكور ، وكان قريباً منه ، فوجدته يدرس جماعة من الطلبة ، فألقيت عليهم ثلاث مسائل ، فوقفوا عن جوابها ، ثم استمررت في سفري إلى مكة ، ثم إلى المدينة ، ثم بعد سنين كثيرة قدم حاجاً بعض طلبته ، وهو الفقيه الفاضل الصالح العالم العامل أبو بكر ، المعروف بدعسين بفتح الدال والسين ، وسكون العين بينهما مهملات ، وسكون المثناة من تحت قيل : النون ، وهو لا يعرفني ولا أعرفه ، فقال : قدم علينا شاب ، وسألنا عن ثلاث مسائل ، فلم نعرف جوابها ، وفتشنا الكتب ، فوجدنا جواب واحدة منها ، وواحدة وجدنا فيها وجهين ، وواحدة لم نجد لها جواباً ، فضحكت عند ذلك ، فعرف حينئذٍ أني كنت ذلك السائل ، وابن الصريدح المذكور من بني الصريدح . ومنهم الفقيه عبد الله بن أحمد الصريدح . تفقه على جد ابن عجيل المذكور علي بن عمر بن عجيل رحمهم تعالى . وممن أخذ عن ابن عجيل أيضاً الفقيه الإمام العلامة ذو الفهم الثاقب ، والعلو والمناقب الفاضل البارع النجيب ، قاضي القضاة رضي الدين الأديب اليمني اللخمي . ومنهم الفقيه الأجل العالم البارع المتفنن أبو الحسن علي بن عبد الله الجبرتي المشهور بالفرضي البارع في علم الفرائض ، كثير من الناس يسمونه الزيلعي ومنهم ولد ابن عجيل المذكور الفقيه القدوة الصالح إبراهيم بن أحمد ، وقد أدركته ، وزرته ، ووجدته يقرئ بنية له صغيرة . وممن روى عن ابن عجيل المذكور شيخنا الرواية إمام الحديث في زمانه رضي الدين إبراهيم بن محمد الطبري إمام المقام الشريف بمكة يروي عنه كتاب " المصابيح " في الحديث وهو يرويه عن عمه بسنده المثبت في الطباق ، وكان يشير إلى شيخنا المذكور إذا طلب منه الدعاء بعض أهل مكة ، ويقول : عندكم إبراهيم ، وكان كثير التردد إلى الحج والزيارة . وله كرامات عديدة ، وسيرة حميدة ، وزهد وورع دقيق ، واتقان للعلوم ، وتحقيق وقدر كبير ، وصيت شهير صارت بفضله الركبان إلى شاسع البلدان ، ولعله كان يزيد على الشيخ الإمام رفيع المقام محيي الدين النواوي في ورعه وأدبه ، وزهده ، وتقشفه ، فمعيشته كانت من الذرة الحمراء ، والقطيب والمخيض من اللبن على تعاقب الدهور ، وطول الزمن . وقد قال بعضهم في مثل أحمد بن موسى : في الأولياء كيحيى بن زكرياء في الأنبياء . كأنه أشار إلى ما ورد ما منا إلا من عصي أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكرياء ، وكان رضي الله تعالى عنه فيه من المحاسن والآداب ما يحتاج ذكره إلى تصنيف كتاب . ونقتصر من ذكر كراماته الكثيرة على واحدة منها شهيرة ، وهي أنه جاءه بعض الناس يلتمس بركته ، وفي يده سلعة ، فقال له : يا سيدي هذه السلعة درت بها على الصالحين ليدعوا لي في ذهابها ، فلم تذهب ، وأنت إن لم تدع لي وتذهب بدعائك وإلا ما بقيت أحسن ظني بأحد من الصالحين ، فقال له : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قرأ عليها ، وقال : اربط عليها بخرقة ، ولا تفتحها حتى تصل إلى بلادك ، ففعل ما أمر به ، ثم سافر إلى أن بلغ بعض الطريق ، وحضر وقت الغداء ، ومعه رفقة ، فقالوا : تعالوا نتغذى في هذه القرية ، فاشتروا خبزاً ولبناً ، وفتوه وعادة أهل اليمن يكلون الخبز واللبن إذا كان مفتوتاً بالكف ، ففتح الخرقة