عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
158
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
رجب وأخربت ، ثم افتتح بيروت بعد أيام وهدمها ، فلما رأى أهل حصن عثليث بالمثلثة بعد العين المهملة مكررة في آخره خلو الساحل من عباد الصليب . أحرقوا حواصلهم ، فهربوا في البحر ، فهدمه المسلمون ، وكذلك فعل بأهل طرسوس ، فتسلمها الطباخي ، ولم يبق للنصارى بأرض الشام معقل ولا متحصن . وفيها توفي عن اثنتين وثمانين سنة الإمام الجليل السيد الجليل ذو المجد الأثيل بركة الزمن ، وفقيه اليمن المعروف ، بابن عجيل الولي الكبير العارف بالله الشهير ذو السيرة الحميدة ، والمناقب العديدة ، والبركات الظاهرة ، والكرامات الباهرة أبو العباس أحمد بن موسى بن علي بن عمر الذوالي بالذال المعجمة ؛ كان أبوه عالماً بأصول الفقه وفروعه ، وانتهت إليه رياسة الفقه والفتوى ، حتى كان يقول شيخه الكرماني في إجازته علامة اليمن ، وأعجوبة الزمن ، وكان عمه محمد فقيها في الفرائض والحساب ، وكان عمه وشيخه إبراهيم عالماً بالحديث والعربية والفقه وأصوله ، وكان أبوه موسى المذكور يصحب الشيخ والفقيه ، وكان إذا زارهما يقولان له أو أحدهما : أرحب يا أبا أحمد ، ويبشرانه أنه يولد له ولد يكون له شأن عظيم . قلت : وبلغني أن الشيخ الحكمي قال له : يكون أحمد شمس زمانه لا كشموسنا ، وبلغني أيضاً أنهما أتيا يوم السابع عن ولادة الفقيه أحمد المذكور ، وأسرا إليه كلاماً في أذنه لم يدر الحاضرون ما هو ، حتى سئل الفقيه أحمد عنه بعدما كبر . ما هو ؟ فقال : أوصياني بذريتهما ، وكان رضي الله تعالى عنه قد نشأ نشوءاً عجيباً ، وظهرت فيه النجابة ، ولاح عليه الفلاح ، واستفاض في الناس أنه ما لعب ولا صبا ، ولم يعرف له سوى الورع والزهد والعبادة ، والاشتغال بالعلم ، والاستفادة والإفادة . اشتغل على عمه إبراهيم ولازمه اثنتي عشرة سنة يقرأ فيها الفنون التي قد أتقنها مع خلو البال ، والاعتزال لا يبطل الاشتغال في يوم جمعة ولا غيره ، فبرع في العلوم خصوصاً الفقه ، وله شيوخ غير عمه أخذ عنهم في مكة وهم جماعة . منهم الإمام محمد بن يوسف بن مسدي بفتح الميم وسكون السين وكسر الدال المهملتين المهلبي ، والإمام سليمان بن خليل العسقلاني ، والإمام إسحاق بن أبي بكر طبري وفي اليمن الفقيه الإمام محمد بن إبراهيم الفشلي ، كل هؤلاء المذكورين خطوطهم في كتبه مسطورة . وأخذ عنه خلائق منهم الفقيه العلامة السيد الكبير الولي الشهير ذو المناقب الجليلة ، المواهب الجزيلة ، والكرامات الباهرة ، والمحاسن الزاهرة أبو الحسن علي بن إبراهيم البجلي اليمني الساكن في شجينة بضم الشين المعجمة ، وفتح الجيم ، والنون وبينهما مثناة