عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
150
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
فاستشرفت نفسي إلا الاطلاع على ذلك الشيء ، فإذا هو رباب يسمعها عرب مهنا من واحد منهم ، فلما دنوت منهم أنكرت ، فقلت له : اسكت فما سكت به صاحب الرباب ، وعرفت أنه لا يلتفت إلى قولي لكوني فقيراً حقيراً لا أعرف في ذلك المكان ، وهم وفد عزيز كريم على السلطان ، فهولت عليه بالصياح في قولي له اسكت مع تكرير هذه الكلمة حتى أوهمته أن لي شوكة فرفع رأسه إلي وسكت ، فقلت له : أما علمت أن هذا الفعل حرام ، فقال : من حرمه ، فقلت : الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : إلا على آل عيسى ، فعجبت من قوله ، وشدة جهله ، وعرفت أن ما لعلته طباً شافياً ، ولا طبيباً مداوياً ، فذهبت وخليتهم ، توفي عيسى المذكور في الربيع الأول ، وقام بعده ولده الأمير حسام الدين مهنا صاحب تدمر . وفيها توفي ابن الصائغ قاضي القضاة أبو المفاخر محمد بن عبد القادر الأنصاري الدمشقي الشافعي ، كان عارفاً بالمذهب بارعاً في الأصول والمناظرة ، درس بالشامية مشاركة مع شمس الدين المقدسي ، ثم ولي وكالة بيت المال ، ثم ولي قضاء الشام ، وعزل به ابن خلكان ، وظهر منه نهضة وشهامة وقيام في الحق بكل ممكن مع زعارة وفظاظة وإهمال بجانب أكابر من أهل زمانه ، فقاموا عليه ناهضين لخفض شأنه ، متعرضين له مقابلين بالبغضاء ساعين فيه حتى عزل عن القضاء بالذي عزل به ابن خلكان ، وأنشد لسان حال الزمان : أيها الإنسان كما تدين تدان ، وذلك في سنة سبع وسبعين ، ثم أعيد إلى منصبه في سنة ثمانين ، ثم أنهم قاموا له أيضاً وعرضوه بجمر الغضا . نعوذ بالله من سوء القضا فامتحن في سنة اثنتين وثمانين ، وأركبوه متن الأخطار ، وأخرجوا عليه محضراً بنحو مائة ألف دينار ، ولم يزل يلقى منهم شدة وبلاء إلى أن خلصه الله تعالى ، وولوا مكانه القاضي بهاء الدين ابن الزكي ، وانقطع هو بمنزله بعد ما تمت فصول على ما حكي في ربيع الآخر ، وابن خلكان في سنة إحدى كما تقدم بتقدير في الحكمة البالغة ، والحكم المحكم . وفيها توفي الملك المنصور صاحب حماة ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين محمود بن المنصور محمد بن عمر ابن شاهنشاه بن أيوب ، تملك بعد أبيه سنة اثنتين وأربعين ، وعمره عشر سنين رعاية لأمه الصاحبة بنت الكامل ، وكان مذموماً في ديانته على ما قيل الله تعالى يسامحه . وفيها توفي السيد الإمام الكبير الشأن ، القدوة المشكور الشيخ أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان التلمساني قدم شاباً فسمع بها من محمد بن عمار