عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

135

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

عليه من حيت لا يراه البواب ، ولا يشعر الحجاب ، وكاد الجلة من العلماء وعيرهم يقبلون قدمه لإشارة اشتهرت عنه في ذلك . وقد أخبرني الفقيه الإمام القاضي نجم الدين الطبري رحمه الله أنه زاره هو وجده الإمام العلامة محب الدين الطبري ، وأنهما قبلا قدمه . وأخبرني القاضي نجم الدين رحمه الله المذكور أنه نعى بمكة ، والسيد المشهور ابن عجيل المذكور يومئذ فيها ، فقال : أرجو من الله أن يفديه بمائة فقيه ، ثم جاء الخبر أنه حي لم يمت ، وكان قد ولاه الملك المظفر قاضياً على قضاة اليمن ، ولكن كان هو السلطان ما أمر به السلطان كان ، وكان كتب إليه في شقف من خزف : يا يوسف فما تبه إلى سلطان في ذلك ، وقال : هب أنك موسى ، ولست بموسى وهب أني فرعون ، ولست بفرعون ، وفي رواية أخرى أرسل من هو خير منك إلى من هو شر مني ، وأمر الله تعالى باللطف به ، واللين إليه فقال تعالى : " قولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى " " سورة طه : 44 " إما تكتب إلي في ورقة بفلس ، وكان إذا كشف له أن الحق في جانب من ترجحت حجة خصمه في ظاهر الشرع يصرفها إلى حاكم آخر . قلت : وهذا حسن جداً ، فإنه لا يمكنه أن يحكم بالحكم الباطن ، وقد أمر الشوع أن يحكم بالظاهر بخلاف ما يظهر ، له بالعلم الباطن ، فترك الحكم بهما جميعاً احتياطاً وأدباً مع الشرع ، وأرى هذا أحسن وأسلم مما كان يفعله غيره من القضاة من أكابر الأولياء من الحكم مما يكشف له من علم الباطن . ومنهم السيد الكبير الولي الشهير الشيخ عبد الرحمن النويري رضي الله تعالى عنه ، فإنه كان يقول : ما يمكنني إذا قالت لي البقرة : أنا لفلان أحكم بها لخصمه ، وكان سبب ولاية إسماعيل المذكور قضاء القضاة أن الملك المظفر استدعى به ، وبابن العجيل ، وبابن الهرمل ، فسار إليه هو وابن الهرمل ، ومرا على ابن العجيل ، فقال لهما : لو قد عزمتما كان رأيي أن لا تذهبا إليه ، ولكن إذ قد عزمتما فلي إليكما حاجة ، وهي أن لا تذكر أني عنده ، فإن ذكرني ، فقولا له : هو في عش في البادية : فإن تركته وإلا سافر إلى بلاد الحبشة ، وخلي لك البلاد ، فقال له إسماعيل : يا فقيه أحمد إن الله قد استرعانا عليه ، كما استرعاه على الرعية ، فنحن نأمره وننهاه ، فإن قبل منا فهو المطلوب ، وإلا كنا قد خرجنا عن العهدة ، ثم سافر إليه إلى تعز فلما اجتمعا به استقضى الفقيه إسماعيل ، فأقام قاضياً للقضاة مدة ، ثم عزل نفسه ، وكان مع كبر شأنه وزهده في الدنيا كثير التزوج جداً ، حتى قال لبعض ذريته : لا تتزوجوا من نساء زبيد ، فإني أخشى أن تقعوا في بعض المحارم لكم .