عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
132
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
ثم وقع صاحب مقدمته سنقر الأشقر على ثلاثة آلاف من التتار ، فهزمهم وأسر منهم ، وأشرف الجيش من الجبال ، فإذا بالتتار قد بعثوا أحد عشر طلباً والطلب ألف فارس ، فلما التقى الجمعان حملت ميسرتهم ، فصادموا صناجق السلطان يعني راياته ، وعطفوا على ميمنة السلطان ، فرد فيها بنفسه ، وحمل بها حملة صادقة ، فترحلت التتار ، وقاتلوا أشد قتال ، فأخذتهم السيوف ، وأحاطت بهم العساكر المحمدية ، حتى قتل أكثرهم ، وقتل من أمراء المسلمين جماعة ، ثم سار الملك الظاهر يحرق مملكة الروم ، ونزل إليه ولاة القلاع ، وقدم سنقر الأشقر لتطمئن الرعية ، ثم وصل قيصرية الروم ، فتلقاه أعيانها وترحلوا ، ودخلها وجلس على سرير ملكها ، وصلى الجمعة بجامعها ، ثم بلغه أن أعداء الله عازمون على طلبه ، فرحل عنها ، فجرى بعده بالروم خبطة ومحنة عظيمة ، فقصدهم أبغا فقال : أنتم باغون علينا ، ووضع السيف فيهم ، ولم يقبل لهم عذراً ، فيقال : إنه قتل من الروم ما يزيد على مائتي ألف فهم مسلمون فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفيها توفي الشيخ أبو المعالي أحمد بن عبد السلام المعروف بابن أبي عصرون التميمي الشافعي صاحب تونس محمد بن يحيى بن عبد الواحد ، وكان ملكاً صاحب سياسة ، وعلو همة ، شديد البأس ، جواداً ممدوحاً تزف إليه كل ليلة جارية . تملك تونس بعد أبيه ، ثم قتل عميه وجماعة من الخوارج عليه فتمهد له الملك . سنة ست وسبعين وست مائة في أولها قدم السلطان الملك الظاهر ، فنزل نحو سفة الأبلق ، ثم مرض يوم نصف المحرم ، وتوفي بعد ثلاثة عشر يوماً ، فأخفي موته ، وسار ابنه وهو يوهم أن السلطان مريض إلى أن دخل مصر بالجيش ، فأظهر موته ، وعمل العزاء ، وحلفت الأمراء للملك السعيد ، والملك الظاهر هو ركن الدين أبو الفتوح شوس التركي الصالحي النجمي صاحب مصر والشام اشتراه الأمير علاء الدين الصالحي ، فقبض الملك الصالح على علاء الدين المذكور ، وأخذه ، وكان من جملة مماليكه ، ثم طلع شجاعاً فارساً إلى أن بهر أمره وبعد صيته ، وشهد وقعة المنصورة بدمياط ، ثم صار أميراً في الدولة المعزية ، وتقلبت به الأحوال إلى أن ولي السلطنة في سابع عشر في القعدة سنة ثمان وخمسين وست مائة ، وكان ملكاً سرياً غازياً مجاهداً مؤيداً عظيم الهيبة خليقاً للملك ، يضرب بشجاعته المثل له أيام بيض في الإسلام ، وفتوحات مشهورة ، ومواقف مشهورة ، ولولا ظلمه وجبروته في بعض الأحيان لعد من الملوك العادلين ، والسلاطين الممدوحين بحسن السيرة المشكورين . انتقل إلى عفو