عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

102

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

من آيات الله العظام قيل : ولم يكن لها حر على عظمها وشدة ضوئها وهي التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى ، فظهرت بظهورها معجزة والآية العظمى التي أخبر بها صلى الله عليه وآله وسلم ، بقوله في الحديث الصحيح : " لا تقوم الساعة حتى يظهر نار بالحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى " وكان نساء المدينة يغزلن على ضوءها بالليل على سطح البيوت ، وبقيت أيامًا ، وظن أهل المدينة أنها القيامة ، وضجوا إلى الله ، وتواتر أمر هذه الآية ، وكان ظهورها في جمادى الآخرة من واد يقال له : وادي أحيليين بالحاء المهملة والياء المثناة من تحت المكررة ثلاث مرات ، وضم الهمزة في أوله في الحرة الشرقية تدب دبيب النمل إلى جهة الشمال ، وتأكل ما أتت عليه من أحجار أو جبال ، ولا تأكل الشجر حتى أن بعض غلمان الشريف منيف بن سبحة صاحب المدينة الشريفة يومئذ أرسله الشريف المذكور مع آخر ليختبرا هل يقدر أحد على القرب منها لكون الناس هابوها لعظمها ؟ فذهبا إليها وقربا منها ، فلم يجد لها حراً فأدخل الغلام المذكور سهماً له فيها ، فأكلت النصل دون العود ، ثم قلبه فيها وأدخله من جهة الريش ، فأكلت الريش حسب . وذكر بعض الناس أن علة عدم أكلها للشجر هي كونه صلى الله عليه وآله وسلم حرم شجر المدينة ، وهذا الذي ذكره إنما يصح لو كان السهم المذكور متخذاً من شجر حرم المدينة الشريفة ، ولكن ما عهد أن السهام تتخذ من الحرم المذكور . قلت : والذي ظهر ، والله أعلم ، أن هذه النار لما كانت آية في آيات الله العظام جاءت خارقة للعادة ، مخالفة في تأثيرها للنار المعتادة ، فإن النار المعهود منها أكل الخشب دون الحجر ، فجاءت هذه العكس من تلك تأكل الحجر دون الخشب ، وهذا أبلغ في الغزو أقوى في الأثر ، والله أعلم ، فكانت تثير كل ما مرت عليه حتى يصير سداً لا مسلك فيه لإنسان ، ولا عابة حتى أنها سدت وادي الشطاه مسد عظيم بالحجر المبسوك بالنار ، حتى قال بعض المؤرخين في معرض التعظيم له : ولا كسد ذي ؟ ؟ ؟ القرنين طولاً وعرضاً وارتفاعاً . قلت : وهذا تساهل منه في مبالغة لا ينبغي أن يتساهل بمثلها ، فإن الله تعالى قد أخبر أن يأجوج . ومأجوج مع كثرتهم . وقوتهم ما استطاعوا له صعوداً ولا نقبا ، وانقطع بسبب ذلك سيل وادي الشطاه ، وانحبس عون السد المذكور ، وكان يجتمع الماء خلفه حتى يصير بحرًا له مد البصر عرضاً وطولاً ، كأنه نيل مصر عند زيادته ، ثم انخرق