عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

88

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

قلت ومما يناسب ذلك ما جرى لبعض علماء اليمن ، وهو الفقيه الإمام الكبير البارع الولي الشهير ، قدوة الزمن ، ومفتي اليمن : علي بن قاسم ، وذلك أن سلطان اليمن لما ثبت عنده أنه أفضل أهل زمانه في نواحي مكانه ، ندبه إلى التدريس في مدرسته ، فامتنع ، فراجعه في ذلك ، فلم يوافق ، فقالوا له : إما تدرس في مدرستي ، وإما تخرج من بلادي ، فقال : أنا أخرج ، فخرج إلى بعض الأمكنة التي لا يجتمع فيها من الطلبة مثل ما يجتمع في المدن ، فأخذ يدرس فيها ، فلم يحضر عنده إلا نفر يسير ، خلاف ما كأنه يحضره عنده من الجمع الكثير ، فأنكر في ذلك ، وقال : أرجع أدرس في المكان الذي كنت فيه - والبلاد بلاد الرحمن ، ما هي بلاد السلطان فرجع ، فأعلم السلطان - برجوعه ، فقال : لعله قبل التدريس ، فاستحضره ، وأمره بالذهاب إلى المدرسة ، فامتنع من ذلك ، فقال : اذهبوا به إلى الحبس ، فذهبوا به ، فلما بلغ ببعض الطريق ، أمر برده ، فلما رجع إليه قال له : المصلحة أن تدرس ، فأبى ورأى المصلحة بخلاف ذلك ، فقال : اذهبوا به إلى الحبس ، فذهبوا به إلى أن بلغ ما شاء الله من الطريق ، ثم استدعى برده فلما رجع تكلم عليه ، وحذره من المخالفة ، وبالغ في ذلك ، فقال : لا سبيل إلى ذلك ، فقال : اسجنوه ، فسجنوه بعنف ، وربما أخذوه بأطوار ، فقال : يا قميص ، اخنقه . أو كما قال من الكلام مشيراً بذلك إلى قميص السلطان ، فخنق السلطان قميصه ، ونزل عليه من البلاء ما لا يطيقه ، فصاح : أطلقوه ، أطلقوه . فما أطلقوه ، فأطلقه السلطان لما أصابه من البلاء والامتحان . ومما وقع للفقيه المذكور مع السلطان أنه حضر شهر رمضان في وفد السلطان ، فقال : انظروا أفضل الناس يصلي بنا في هذا الشهر . فقالوا : ما هنا أفضل من الفقيه علي بن قاسم ، فاستدعى به السلطان ، والتمس منه أن يؤمهم ، فلما كان أول ليلة من رمضان ، تقدم على أنه يصلي بهم ، فطار شرار من الشماع التي في حضرة السلطان ، فوقعت في ثياب الفقيه المذكور ، فنفض ثيابه ، وهج خارجاً من ذلك المكان وهو يقول : " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " ، - هود 113 - . وكان من حدة ذكائه وقوة براعته في الفقه أنه التزم ان جميع ما يسأل عنه لا يجيب عنه إلا من كتاب التنبيه . رجعنا إلى ذكر صاحب التنبيه : أخبرني بعض الفقهاء الصلحاء ، أفضل أهل الصنعاء ، ممن يرد عليه أحوال الفقراء ، قال : كنا جماعة نتدارس التنبيه ، كما يتدارس القرآن ، فبينا نحن في بعض الأيام نتدارسه ، إذ كشف لي عن الشيخ أبي إسحاق حاضراً معنا في المجلس ، وإذا به يقول ما معناه : حسبت في كتابي ما حسبته من خير الآمال ، وما حسبت قط أنه بلغ إلى هذا الحال ، أو نحو ذلك من المقال . يعني : أنه يتدارس كما يتدارس القرآن . وقال القاضي محمد بن محمد الماهاني : إمامان ما اتفق لهما الحج : الشيخ أبو