عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

85

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

وغضبوا على صاحب الموصل لكونه رافضياً ، ولكونه يساعد المصريين على محاصرة دمشق فأسرع إلى حران ، ورماها بالمنجنيق ، وأخذها وذبح القاضي وولديه . وفيها توفي الشيخ الإمام المتفق على جلالته وبراعته في الفقه والأصول وزهادته وورعه وعبادته وصلاحه وجميل صفاته السيد الجليل أبو إسحاق ، المشهور فضله في الآفاق جمال الدين إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزأبادي ، وعمره ثلاث وثمانون سنة دخل شيراز ، وقرأ بها الفقه على أبي عبد الله البيضاوي ، وعلى عبد الوهاب بن رامين ، ثم دخل البصرة ، وقرأ فيها على بعض علمائها ، ودخل بغداد سنة خمس عشرة وأربعمائة ، تفقه على جماعة من الأعيان ، وصحب القاضي أبا الطيب الطبري ، ولازمه كثيراً ، وانتفع به ، وظهر فضله ، وتميز على أصحابه ، وناب عنه في مجلسه ، ورتبه مفيداً في حلقته ، وصنف التصانيف المباركة المفيدة المشهورة السعيدة ، منها التنبيه والمهذب في الفقه واللمع وشرحه في أصول الفقه والنكت في الخلاف والمعونة في الجدل ، وله شعر حسن ، ومنه قوله : سألت الناس عن خل وفي * فقالوا ما إلى هذا سبيل تمسك إن ظفرت ودحر * فإن الحر في الدنيا قليل وقوله أيضاً فيما نقله بعضهم : أحب الكأس من غير المدام * وأهوى للحسان بلا حرام وما حبي لفاحشة ولكن * رأيت الحب أخلاق الكرام وقوله أيضاً فيما عزي إليه : حكيم يرى أن النجوم حقيقة ، ويذهب في أحكامها كل مذهب يخبر عن أفلاكها وبروجها ، وما عنده علم بما في المغيب . وسيأتي ذكر شيء مما قيل فيه وفي كتبه . وذكر الحافظ ابن عساكر أنه كان أنظر أهل زمانه وأفصحهم وأورعهم وأكثرهم تواضعاً وبشرى . انتهت إليه رئاسة المذهب ، ورحل إليه الفقهاء من الأقطار ، وتخرج به أئمة كبار ، ولم يحج ، ولا وجب عليه حج ، لأنه فقيراً متعففاً قانعاً باليسير . سمع الحديث من أبي علي ابن شاذان وأبي بكر البرقاني وغيرهما ، وتفقه على جماعة في شيراز والبصرة وبغداد . قلت وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق المذكور في طبقات الفقهاء قريب عشرة من شيوخه ، منهم من انتسب إليه ، وأشهرهم في الانتساب إليه والاشتغال عليه والملازمة له والأخذ عنه : الإمام القاضي أبو الطيب الطبري . قال الحافظ ابن عساكر : وكان يظن ممن لا يفهم أنه مخالف للأشعري - لقوله في كتابه في أصول الفقه : وقالت الأشعرية الأمر ، لا