عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
7
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
وقال الشيخ أبو القاسم بن برهان النحوي : من سمع مناظرة القاضي أبي بكر لم يستلذ بعدها لسماع كلام أحد من المتكلمين والفقهاء والخطباء والمترسلين ، ولا الأغاني أيضاً لطيب كلامه وفصاحته وحسن نظامه وإشارته . وله التصانيف الكثيرة في الرد على المخالفين من المعتزلة والرافضة والخوارج والمرجئة والمشبهة والحشوية . وحكى الحافظ ابن عساكر عن أهل العلم أنه قال : كان القاضي أبو بكر فارس هذا العلم مباركاً علي هذه الأمة ، يلقب سيف السنة ولسان الأمة ، وكان مالكياً فاضلاً متورعاً ممن لم يحفظ عليه زلة قط ، ولا تنسب إليه نقيصة . وذكر الإمام القاضي أبو المعالي بن عبد الملك ، عن الشيخ الإمام أبي الحاكم القزويني قال : كان الإمام أبو بكر الأشعري يضمر من الورع والديانة والزهد والصيانة أضعاف ما كان يظهره ، فقيل له في ذلك فقال : إنما ظهر ما أظهره غيظاً لليهود والنصارى والمبتدعين المخالفين ، لئلا يستحقروا علماء الحق والدين . وقال الحافظ ابن عساكر : كان الانتساب إلى الاعتزال فاشياً منتشراً ، وكل من كان متسنناً مستخفياً مستتراً إلى أن قام القاضي أبو بكر بنصرة المذهب ، واشتهر في المشرق والمغرب . وكان مظهره بدار السلام التي هي قبة الإسلام ، فلم يظهر لذلك تغيير من الأنام ، ولا نكرة من العلماء والعوام بل كان الكل يتقلدون منه المنة من العوام ، والأئمة يلقبونه بأجمعهم سيف السنة ولسان الأمة . وكان بينه وبين جماعة من الحنابلة مخالطة ومؤانسة واجتماع ومجالسة . ونقل الحافظ ابن عساكر بسنده إلى أبي بكر الخوارزمي قال : كل مصنف ببغداد ، إنما ينقل من كتب الناس إلى تصانيفه ، سوى القاضي أبي بكر ، فإن صدره يحوي علمه وعلم الناس . وروى الحافظ الخطيب أنه كان القاضي أبو بكر يهم أن يختصر ما يصنفه ، فلا يقدر على ذلك لسعة علمه وكثرة حفظه . ولما توفي حضر الشيخ أبو الفضل التميمي الحنبلي حافياً مع إخوانه وأصحابه ، وأمر أن ينادي بين يدي جنازته : هذا ناصر السنة والدين ، هذا إمام المسلمين ، هذا الذي كان يذب عن سنة الشريعة المخالفين ، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة ردا على الملحدين . وروى الحافظ أبو القاسم بسنده إلى القاضي أبي الفخر قال : سمعت الطائي يقول : كنت أشتهي أن أرى القاضي الإمام أبا بكر في النوم ، فلم يتفق لي ، فنمت ليلة ، وصليت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألف مرة ، وسألت الله تعالى ونمت ، فلما كان وقت السحر ، رأيت جماعة حسنة ثيابهم ، بيضاء وجوههم ، طيبة