عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

59

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

جمع لا يقوون عليه دخلوا المفاوز ، وتحصنوا بالرمال ، وجرت لهم مع ولاة خراسان أمور يطول ذكرها وشرحها ، وحاصل الأمر أنهم استظهروا على الولاة ، وظفروا بهم ، وملكوا البلاد ، وكان ابتداء أمرهم في سنة تسع وعشرين وأربعمائة ، وكان السلطان أبو طالب محمد المذكور كبيرهم ، وإليه الأمر والنهي في السلطنة ، وأخذ أخوه داود مدينة بل ، واتسع لهم الملك ، واقتسموا البلاد ، وانحاز السلطان مسعود إلى غزنة ونواحيها ، وكانوا يخطبون له في أول الأمر ، فعظم شأنهم إلى أن راسلهم القائم بأمر الله وكان الرسول بينهم وبينه الماضي أبا الحسن علي بن حبيب الماوردي مصنف الحاوي الكبير في الفقه ، وكان السلطان محمد المذكور حليماً محافظاً على الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة ، وكان يصوم الاثنين والخميس ، ويكثر الصدقات ، ويبني المساجد ، ويقول استحي من الله تعالى أن أبني داراً لا أبني إلى جانبها مسجداً . ثم إنه تمهدت له البلاد ، وملك العراق وبغداد ، وسير إلى الإمام القائم يخطب إليه بنته ، فشق على القائم ، واستعفى منه ، وترددت الرسل بينهما ، فلم يجد من ذلك بداً ، فزوجه بها ، وعقد العقد بمدينة تبريز ، ثم توجه إلى بغداد فلما دخلها طلب الزفاف ، وحمل مائة ألف دينار برسم حمل القماش ونقله ، فزفت إليه بدار المملكة ، وجلست على سرير ملبس من ذهب ، ودخل السلطان إليها ، فقبل الأرض بين يديها ، ولم يكشف البرقع عن وجهها في ذلك الوقت ، وقدم لها تحفاً يقصر الوصف عن ضبطها ، وقبل الأرض ، وقدم وانصرف ، فظهر عليه السرور . وبالجملة ، فأخبار الدولة السلجوقية كثيرة ومقصودنا الاختصار وسنذكر جماعة من ملوكهم في السنين التي توفوا فيها إن شاء الله تعالى . وتوفي السلطان المذكور يوم الجمعة ، ثامن عشر رمضان من السنة المذكورة . وذكر عنه السمعاني أنه قال : رأيت وأنا بخراسان في المنام ، كأني رفعت إلى السماء وأنا في ضباب لا أبصر شيئاً ، غير أني أشم رائحة طيبة ، فنوديت : أنت قريب من الباري جلت قدرته فسل حاجتك تقض ؛ فقلت في نفسي : أسألك طول العمر ، فقيل : لك سبعون سنة ، فقلت : يا رب ؛ لا يكفيني ، فقيل : لك سبعون سنة . ولما حضرته الوفاة قال : إنما مثلي مثل شاة شدت قوائمها بحبل الصوف ، فنظن أنها تذبح ، فتضطرب ، حتى إذا أطلقت تفرح ، ثم تشد للذبح ، فتظن أنها تشد بحبل الصوف للذبح فتسكن ، فتذبح ، وهذا المرض الذي أنا فيه هو شد القوائم للذبح . - فمات منه - رحمه الله تعالى وعمره سبعون سنة . وفيها توفي أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفي الأصبهاني المؤدب . وكان صالحاً ثقة سنياً كثير الحديث .