عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

38

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

وحفظ أشياء من أصول الدين وحساب الهندسة والجبر والمقابلة ، وتوجه نحوهم الحكيم أبو عبد الله الناتلي بالنون والمثناة من فوق بين الألف واللام فأنزله أبو علي عنده ، وابتدأ يقرأ عليه ، فأحكم علم المنطق وإقليدس والمجسطي ، حتى فاق الناتلي بدرايتها . وأوضح له رموزاً ، وفهمه إشكالات كان شيخه المذكور لا يدريها ، ومع ذلك كان يختلف في الفقه إلى إسماعيل الزاهد ، يقرأ ويبحث ، ويناظر ، ثم اشتغل بتحصيل علوم أخرى كالطبيعي والإلهي وغير ذلك ، ونظر في النصوص والشروح ، ففهم كل ذلك ، ثم رغب في علم الطب ، وتأمل الكتب المصنفة فيه ، وعالج هادياً لا متكسباً ، وعلمه حتى فاق فيه الأوائل والأواخر في أقل مدة ، وأصبح فيه عديم القرين فقيد المثيل . واختلف إليه فضلاء هذا الفن وكبراؤه ، يقرؤون عليه أنواعه والمعالجات المكتسبة من التجربة وسنه إذ ذاك ست عشرة سنة - وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها ، ولا اشتغل بالنهار بنوى المطالبة ، وكان إذا أشكل عليه مسألة توضأ ، وقصد المسجد الجامع ، وصلى ، ودعا الله تعالى أن يسهلها عليه ، ويفتح مغلقها - على ما ذكر بعض المؤرخين . وذكر عند الأمير نوح بن نصر - صاحب خراسان - في مرض موته ، فأحضره ، وعالجه حتى برئ ، واتصل به ، وقرب منه ، ودخل إلى دار كتبه ، وكانت عديمة المثل ، فيها من كل فن من الكتب المشهورة بأيدي الناس وغيرها ، مما لا يوجد في سواها ، ولا سمع باسمه ، فضلاً عن معرفته ، فظفر أبو علي منها بكتب الأوائل وغيرها ، وحصل نخب فوائدها ، واطلع على أكثر علومها ، واتفق بعد ذلك احتراق تلك الخزانة ، فتفرد أبو علي بما حصله من علومها ، ويقال : إنه هو الذي توصل إلى إحراقها ليتفرد بمعرفة ما حصله منها ، وينسبه إلى نفسه ، ولم يستكمل ثمان عشرة سنة من عمره إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها وقيل التي عاناها بأسرها ثم صار هو وأبوه يتصرفان في الأحوال ، ويتقلدان للسلطان الأعمال ، وجرت له تنقلات في البلدان وما فيها من دولة السلطان ، وإنه تولى الوزارة لشمس الدولة في همدان ، ثم تشوش العسكر ، وعمدوا إلى داره ، فنهبوها ، وقبضوا عليه ، وسألوا شمس الدولة في قتله ، فامتنع ، ثم اطلق فتوارى ، ثم مرض شمس الدولة بالقولنج ، فأحضره لمداواته ، واعتذر إليه ، وأعاده وزيراً . وكان ابن سينا قوي المزاج يغلب عليه قوة الجماع ، حتى أضعفته ملازمته ، وعرض له قولنج ، فعالجه مراراً ، يصح أسبوعاً ويمرض أسبوعاً ، ومرض أمراضاً كثيرة ، وطرح بعض غلمانه في بعض أدويته شيئاً كثيراً زائداً على ما رسمه الطبيب ، فعجزت المعالجات عن شفائها ، وأشرفت قواه على السقوط ، فأهمل المداواة ، واعترف بالعجز عن تدبير نفسه ، ثم اغتسل ، وتاب ، وتصدق بما معه على الفقراء ورد المظالم على من عرفه ، وأعتق مماليكه ، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة ، ثم توفي في التاريخ المذكور في شهر رمضان بهمدان .