عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

303

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

إماماً في علوم الأدب ورزق السعادة في خطبه التي وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها ، وفيها دلالة على غزارة علمه ، وجودة قريحته . وذكروا أنه سمع على المتنبي بعض ديوانه في خدمة سيف الدولة ، وكان سيف الدولة كثير الغزوات ، فلهذا أكثر من خطب الجهاد ليحض الناس ، ويحثهم على الجهاد . كان رجلاً صالحاً ، ورأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المقابر ، فأشار بيده إلى القبور وقال : كيف قلت يا خطيب ؟ كيف قلت يا خطيب ؟ : لا يخبرون بما إليه آلوا ، ولو قدروا على المقاد لقالوا ، قد شربوا من الموت كأساً مرة ، فلم يفقدوا من أعمالهم ذرة ، والى عليهم الدهر إليه برة أن لا يجعل لهم إلى دار الدنيا كرة كأنهم لم يكونوا للعيون قرة ، ولم يعهدوا في الأحياء مرة ، أسكتهم الله الذي أنطقهم ، وأبادهم الذي خلقهم ، وسيجددهم كما خلقهم ، ويجمعهم كما فرقهم . ثم نقل صلى الله عليه وآله وسلم في فيه ، فاستيقظ من منامه على وجهه أثر نور وبهجة لم يكن قبل . وقص رؤياه على الناس ، وقال : سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً . وعاش بعد ذلك ثمانية عشر يوماً لا يستطعم طعاماً ولا شراباً من أجل تلك التفلة وبركتها . وهذه الخطبة التي فيها هذه الكلمات : تعرف بالمناسبة لهذه الواقعة . وذكر بعضهم أنه ولد في سنة خمسين وثلاثمائة ، وتوفي في السنة المذكورة ، أعني سنة أربع وسبعين وثلاثمائة . وعن بعضهم أنه قال : رأيت الخطيب ابن نباتة في المنام بعد موته ، وقلت له : ما فعل الله تعالى بك . فقال : رفع لي ورقة ، وفيها سطران بالأحمر . وهما : قد كان أمن لك من قبل ذا ، واليوم أضحى لك أمنان ، والصفح لا يحسن عن محسن ، وإنما يحسن عن جان . قال : فانتبهت من النوم وأنا كررهما . وفيها توفي تميم بن معز بن المنصور بن القائم بن المهدي ، كان أبوه صاحب الديار المصرية والمغرب ، وهو الذي بنى القاهرة . وكان تميم المذكور فاضلاً شاعراً ماهراً لطيفاً ظريفاً ، ولم يل المملكة ، لأن ولاية العهد كانت لأخيه العزيز ، تولاها بعد أبيه . وللعزيز أيضاً أشعار جيدة ، ذكرها أبو منصور الثعلبي في اليتيمة . ومن شعر تميم المذكور : أما والذي لا يملك الأمر غيره * وهو بالسر المكتم أعلم لئن كان كتمان المصائب مؤلماً * فأعد أنها عندي أشر وآلم وفي كل ما تبكي العيون أقله * وإن كنت منه دائماً أتبسم ومنه : وما أم خشف ظل يوماً وليلة * ببلقية بيداء ظمآن صاديا