عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
296
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
فما نطق مخلوق . قلت : هكذا أطلق بعضهم ، ولم يبين من هو القابل ذلك منهما ، هل نهى عضد الدولة أن يدعى للخليفة ؟ أو نهى الخليفة أن يدعى لعضد الدولة . في ذلك احتمالان آخران : أحدهما أن يكون نهى الخليفة عن الدعاء لنفسه خوفاً أن يغار عضد الدولة ، ويظهر منه غيظ وغضب . والثاني أن يكون الناهي هو عضد الدولة ، نهى أن يدعى له تواضعاً للخليفة . والله أعلم بحقيقة ذلك ، أيهما كان هو الناهي عن أن يدعى لنفسه . فقد أحسن في ذلك . وفي السنة المذكورة توفي شيخ الحنفية ببغداد الفقيه أحمد بن علي صاحب أبي الحسن الكرخي ، وإليه انتهت رئاسة المذهب . وكان مشهوراً بالزهد والدين ، عرض عليه قضاء القضاة فامتنع . وله عدة مصنفات . وفيها توفي محمد بن الحسن بن رشيق المصري . وفيها توفي النحوي اللغوي ، صاحب التصانيف ، وشيخ أهل الأدب : الحسين بن أحمد الهمداني ، المعروف بابن خالويه ، دخل بغداد ، وأدرك جلة من العلماء مثل ابن الأنباري ، وابن مجاهد المقرئ ، وأبي عمر والزاهد ، وابن دريد ، وقرأ على السيرافي ، وانتقل إلى الشام ، واستوطن حلب ، وصار بها أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب ، وكانت الرحلة إليه من الآفاق . وآل حمدان يكرمونه ، ويدرسون عليه ، ويقتبسون منه وهو القائل : دخلت يوماً على سيف الدولة ، فلما مثلت بين يديه قال لي : اقعد ، ولم يقل : اجلس . فتبينت بذلك إعلاقه بأهداب الأدب ، واطلاعه على أسرار كلام العرب . قال ابن خلكان وإنما قال ابن خالويه هذا لأن المختار عند أهل الأدب أن يقال للقائم اقعد وللنائم والساجد اجلس . وعلله بعضهم بأن القعود هو الانتقال من العلو إلى السفلى ، ولهذا قيل لمن أصيب برجله مقعد . والجلوس هو الانتقال من السفل إلى العلو . ولهذا قيل : لنجد جلساً لارتفاعها ، وقيل لمن أتاها : جالس ، وقد جلس منه قول مروان بن الحكم لما كان والياً بالمدينة يخطب الفرزدق : قل للفرزدق ، والسفاهة كاسمها * إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس أي اقصد الجلسا ، وهي بحذو هذا البيت من جملة أبيات ، وهذا كله في غير موضعه لكن للكلام شجون . ولابن خالويه المذكور كتاب كبير في الأدب سماه " كتاب ليس " وهو يدل على اطلاع عظيم ، فإن مبني الكلام من أوله إلى آخره على أنه ليس في كلام العرب كذا . وله كتاب لطيف سماه " الآل " ، وذكر في أوله أن الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً ، وما اقتصر