عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

285

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

عز الدولة إلى خلع نفسه ، وتسليم الخلافة لولده الطائع لله ، ففعل ذلك ، وأتيت على خلعه قاضي القضاة . وفيها أقيمت الدعوة بالحرمين للمعز العبيدي ، وقطعت خطبة بني العباس ، ولم يحج ركب العراق لأنهم وصلوا إلى بعض الطريق ، فرأوا هلال ذي الحجة ، وأعلموا أن الماء معدوم قدامهم ، فعدلوا إلى مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزاروا ، ثم رجعوا . وفيها توفي الحافظ أبو الحسين الشهيد محمد بن أحمد بن سهل الرملي ، سلخه صاحب مصر المعز ، وكان قد قال : لو كان معي عشرة أسهم لرميت الروم بسهم ورميت بني عبيد بتسعة ، فبلغت القائد جوهراً ، فلما ظفر به قرره ، فاعترف وأغلظ لهم ، فقتلوه ، وكان عابداً صالحاً زاهداً قوالاً بالحق . وفيها توفي الحافظ محدث الشام أبو العباس محمد بن موسى السمسار الدمشقي . وفيها توفي صاحب المعز العبيدي وقاضيه النعمان بن محمد ، المكنى بأبي حنيفة ، كان من أوعية العلم والفقه والدين والنقل ، على ما لا مزيد عليه ، كذا ذكر بعض المؤرخين وغير ذلك ، وذكر بعض المؤرخين أنه كان في غاية الفضل من أهل القرآن ، والعلم بمعانيه ، وعالماً بوجوه الفقه ، وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر والمعرفة بأيام الناس ، مع عقل وإنصاف ، وألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف ، وأملح أسجع ، وعمل في المناقب والمثالب كتاباً حسناً ، وله ردود على المخالفين لأبي حنيفة ومالك والشافعي وابن شريح وكتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه لأهل البيت ، وقصيدة فقهية . وكان ملازماً صحبة المعز ، ووصل معه إلى الديار المصرية أول دخوله إليها من إفريقية ، ولما مات صلى عليه المعز . سنة أربع وستين وثلاث مائة فيها أو بعدها ظهرت العيارون واللصوص ببغداد ، واستفحل شرهم حتى ركبوا الخيل ، وتلقوا بالقواد ، وأخذوا الضريبة من الأسواق والدروب ، وعم البلاء وفيها قطعت خطبة الطائع لله ببغداد خمسين يوماً ، فلم يخطب لأحد ، لأجل شعث وقع بينه وبين عضد الدولة عند قدومه العراق ، فإن عضد الدولة قدم من شيراز ، فأعجبته مملكة العراق فاستمال الأمراء ، وجرت أمور يطول ذكرها .