عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
258
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
وفيها توفي أبو الفوارس الصابوني ، أحمد بن محمد السندي الفقيه المعمر ، مسند ديار مصر ، عن يونس بن عبد الأعلى والمزني والكبار . وفيها توفي الفقيه العلامة أبو الوليد ، حسان بن محمد القرشي الأموي النيسابوري ، شيخ الشافعية بخراسان ، وصاحب شريح صاحب التصانيف ، وكان بصيراً بالحديث وعلله ، وأخرج كتاباً على صحيح مسلم ، وهو صاحب وجه في المذهب ، وقال الحاكم : هو إمام أهل الحديث بخراسان ، وأزهد من رأيت من العلماء وأعبدهم . وفيها توفي الحافظ أحد الأعلام أبو علي الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري . قال الحاكم : هو أوحد عصره في الحفظ والإتقان والورع والمذاكرة والتصنيف . وفيها توفي الحافظ أبو أحمد العتباني محمد بن أحمد قاضي أصفهان . قال الحافظ أبو نعيم : كان من كبار الحفاظ . خمسين وثلاث مائة قالوا فيها بنى معز الدولة ببغداد دار السلطنة في غاية الحسن والكبر ، غرم عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم ، وقد درست آثارها في حدود الستمائة ، وبقي مكانها تأوي إليه الوحوش ، وبعض أساسها موجود ، فإنه حفر لها في الأساسات نيفاً وثلاثين ذراعاً . وفيها توفي أبو شجاع فاتك الكبير ، المعروف بالمجنون ، كان روميا أخذ صغيراً هو وأخ له وأخت لهما من بلاد الروم ، فتعلم بفلسطين ، وهو ممن أخذه الإخشيذ من سيده بالرملة كرهاً بلا ثمن ، فأعتقه صاحبه ، وكان معهم حراً في عدة المماليك ، وكان كريم النفس بعيد الهمة شجاعاً ، كثير الإقدام ، ولذلك قيل له المجنون . وكان رفيق الأستاذ كافور في خدمته الاخشيذ ، فلما مات مخدومهما ، وتعزز كافور في تربية ابن الاخشيذ ، أنف فاتك من الإقامة بمصر ، كي لا يكون كافور أعلى رتبة منه ، ويحتاج إلى أن يركب في خدمته . وكانت الفيوم وأعمالها إقطاعاً ، فانتقل واتخذها سكناً له ، وهي بلاد وبية كثيرة الوخم ، فلم يصح بها له جسم ، وكان كافور يكرمه ويخافه فزعاً منه ، وفي نفسه منه ما فيها ، واستحكمت العفة في جسم فاتك وإخوته ، فاحتاج إلى دخول مصر للمداواة ، فدخلها . وبها دخل المتنبي ضيفاً للأستاذ كافور ، وكان يسمع فاتك كثرة سخائه ، غير أنه لا يقدر على قصد خدمته خوفاً من كافور ، وفاتك يسأل عنه ويراسله السلام ، ثم التقيا في الصحراء مصادقة من غير ميعاد ، وجرى بينهما مفاوضات ، فلما رجع فاتك إلى داره حمل للمتنبي في ساعته هدية قيمتها ألف دينار ، ثم أتبعها بهدايا بعدها ، فاستأذن المتنبي كافوراً