عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

254

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

سنة ، ويسأل عنه فيجيب بذلك الجواب بعينه . ومما جرى له في ذلك أنهم سألوه : ما البيطرة عند العرب . فقال : كذا وكذا ، فتضاحكوا سراً ، وتركوه شهراً ، ثم أمروا شخصاً سأله عن اللفظة بعينها فقال : أليس سألت عن هذه المسألة مدة كذا وكذا ، وأجبت عنها بكذا وكذا ؟ فتعجبوا من فطنته واستحضاره للمسألة والوقت . وكان لمعز الدولة غلام اسمه خواجا ، وكان المطرز المذكور قد بلغ من إملاء " كتاب اليواقيت " إلى ذكر الخبر ، فقال : اكتبوا ياقوتة ، وخواجا ، " الخواج في أصل لغة العرب الجوع " ثم فرع على هذا باباً وأملاه ، فعد الناس ذلك كذباً عظيماً ، ثم تتبعوه في كتب اللغة ، فوجدوا عن ثعلب عن ابن الأعرابي : الخواج ، الجوع . وكان المطرز المذكور يؤدب ولد القاضي محمد بن يوسف ، فأملا يوماً على الغلام مسائل في اللغة ، وذكر غريبها ، وختمها ببيتين من الشعر ، وحضر ابن دريد وابن الأنباري ، وابن مقسم عند القاضي المذكور ، فعرض عليهم تلك المسائل ، فما عرفوا شيئاً ، وأنكروا الشعر ، فقال لهم القاضي : ما تقولون فيها ؟ فقال ابن الأنباري : أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن ، ولست أقول شيئاً . وقال ابن مقسم مثل ذلك ، واحتج باشتغاله بالقراءآت . وقال ابن دريد : هذه المسائل من موضوعات المطرز لا أصل لشيء منها في اللغة . ثم انصرفوا ، فبلغ المطرز ذلك ، فاجتمع بالقاضي ، وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عينهم ، ففتح القاضي خزائنه ، وأخرج له تلك الدواوين ، فلم يزل المطرز يعمد إلى كل مسألة ، ويخرج لها شاهداً من بعض تلك الدواوين ، ويعرضه على القاضي ، حتى استوفى جميعها ، ثم قال : هذان البيتان أنشدناهما ثعلب بحضرة القاضي ، وكتبهما القاضي بخطه على ظهر الكتاب الفلاني ، فأحضر القاضي الكتاب ، فوجد البيتين على ظهره بخطه ، كما ذكر بلفظه . وقال رئيس الرؤساء : وقد رأيت أشياء كثيرة مما أنكر عليه ، ونسب فيه إلى الكذب ، فوجدتها مدونة في كتب أهل اللغة ، وخاصة في غريب أبي عيد ، وقال عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي ، لم يتكلم في علم اللغة أحد من الأولين والآخرين أحسن من كلام أبي عمرو الزاهد يعني المطرز وله " كتاب غريب الحديث " صنفه على مسند الإمام أحمد بن حنبل ، وكان ابن برهان المذكور يستحسنه جداً ، وله شعر رائق . وفيها توفي الوزير محمد بن علي البغدادي الكاتب ، وكان من الصلحاء واليه المنتهى في المعروف . قيل : إنه أعتق في عمره ألف رقبة ، وأنفق في حجة حجها مائة ألف دينار ، وبلغ ارتفاع مداخله بمصر من أملاكه في العام أربع مائة ألف دينار .