عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
247
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
فتعلمه ، وأتقنه غاية الاتقان ، ثم اشتغل بعلوم الحكمة ، ولما دخل بغداد كان فيها أبو بشر قسطا بن يونس الحكيم المشهور ، وهو شيخ كبير يعلم الناس فن المنطق ، وله إذ ذاك صيت عظيم ، وشهرة وافية ، ويجتمع في حلقته كل يوم خلق كثير وهو يقرأ كتاب أرسطاطاليس ليس في المنطق ، ويملي على تلامذته شرحه ، فكتب عنه وفي شرحه سبعون سفراً ، ولم يكن في ذلك الوقت أحد مثله في فنه . وكان في تآليفه حسن العبارة ، لطيف الإشارة . وكان يستعمل في تصانيفه البسط والتذييل ، حتى قال بعض علماء هذا الفن : ما أرى أبا نصر الفارابي أخذ طريق تفهيم المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة إلا من أبي بشر ، يعني : شيخه المذكور . وكان أبو نصر يحضر مجلسه من جملة تلامذته ، فأقام بذلك برهة ثم ارتحل إلى مدينة حران . وفيها توفي ابن خيلان بالخاء المعجمة والياء المثناة من تحت الحكيم النصراني ، فأخذ عنه طرفاً من المنطق أيضاً ، ثم قفل راجعاً إلى بغداد ، وقرأ بها علوم الفلسفة ، وتناول جميع كتب أرسطاطاليس ، وتمهر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها ، ويقال أنه وجد . كتاب النفس لأرسطاطاليس عليه مكتوب بخط أبي نصر الفارابي : قرأت هذا الكتاب مائتي مرة . ونقل عنه أنه كان يقول : قرأت السماع الطبيعي لأرسطاطاليس أربعين مرة ، وأرى أني محتاج إلى معاودة قراءته ، وروي عنه أنه سئل : من أعلم بهذا الشأن : أنت أم أرسطاطاليس ؟ فقال : لو أدركته لكنت أكبر تلامذته ، ذكره أبو العباس ابن خلكان حاكياً له عن أبي القاسم بن صاعد القرطبي في كتاب طبقات الحكماء . وحكي عنه أنه قال : إني في التحقيق على جميع علماء الفلاسفة الإسلاميين ، وشرح غامضها ، وكشف سرها ، وقرب تناولها ، وجمع ما تحتاج إليه منها على ما أغفله الكندي وغيره من صناعة التعاليم ، وأوضح الغفل فيها من عواد المنطق الخمسة ، وعرف طريق استعمالها ، وكيف يصرف صورة القياس في كل مادة ، وجاءت كتبه في الغاية الكاملة والنهاية الفاضلة . قلت : قوله الغفل هو بضم الغين المعجمة وسكون الفاء ، يقال أرض غفل ، لا علم بها ولا أثر عمارة ، ودابة غفل : لا سمة عليها ، ورجل غفل : لم يجرب الأمور ، ذكره الجوهري ، ثم له بعد ذلك كتاب شريف ، لم يسبق إليه في إحضار العلوم والتعريف