عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
235
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
تحت بعد الشين " ومعناه في لسان الترك ملك الملوك جيشاً ، فالتقاهم سيف الدولة فهزمهم وأسر منهم ألف نفس ، ثم سار إلى دمشق فملكها ، وسار الإخشيذ ونزل على " طبرية " فخامر خلق من عسكر سيف الدولة إلى الإخشيذ ، فانكسر سيف الدولة وجمعه فقصده الإخشيذ ، فالتقاه ، فانهزم سيف الدولة ، ودخل الاخشيذ حلب . وأصاب بغداد قحط لم ير مثله ، وهرب الخلق ، وكان النساء يخرجن عشرين عشرين ، وعشرة عشرة ، تمسك بعضهم ببعض ، بصحن الجوع الجوع ، ثم تسقط الواحدة بعد الواحدة ميته . وفيها توفي أبو علي اللؤلؤي ، محمد بن أحمد البصري ، راوي السنن عن أبي داود سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة فيها دثرت بغداد ، وتداعت إلى الحراب من شدة القحط والفتن والجور . وفيها اصطلح سيف الدولة والإخشيذ ، وصاهره ، وتقرر لسيف الدولة حلب وحمص وأنطاكية ، وقصد معز الدولة بغداد ، فاختفى الخليفة ، وتسللت الأتراك إلى الموصل ، وأقامت الديلم ببغداد ، ونزل معز الدولة بباب الشماسية ، وقدم له الخليفة التقاديم والتحف ، ثم دخل إلى خدمة الخليفة وبايعه ، فلقبه يومئذ معز الدولة ، ولقب أخويه : علياً : عماد الدولة ، والحسن : ركن الدولة ، وضربت لهم السكة ، واستوثقت المملكة لمعز الدولة ، فلما تمكن كحل المستكفي بالله ، وخلعه من الخلافة ، لكون " علم القهرمانة " كانت تأمر وتنهي ، فعملت دعوه عظيمة ، حضرها خرشيد مقدم الديلم وعدة أمراء ، فخاف معز الدولة من غائلتها ، ولأن بعض الشيعة كان يثير الفتن ، فآذاه الخليفة وكان معز الدولة متشيعاً فلما كان في جمادى الآخرة ، ودخل الأمراء إلى الخليفة ، ودخل معز الدولة فتقدم اثنان وطلبا من المستكفي رزقهما ، فمد لهما يده ليقبلاها ، فجذباه إلى الأرض وسحباه ، فوقعت الصيحة ، فنهبت دور الخلافة ، وقبضوا على " علم " وخواص الخليفة وساقوا الخليفة ماشياً . وكانت خلافته سنة وأربعة أشهر ، وصار ثلاثة خلفاء مكحولين : هو والذي قبله ، والقاهر . ثم أحضر معز الدولة أبا القاسم الفضل بن المقتدر ، فبايعه ، ولقبه المطيع لله ، وقرر له معز الدولة كل يوم مائة دينار للنفقة ، وانحطت رتبة الخلافة إلى هذه المنزلة . قلت : ما صار للخليفة من الخزائن ، وما يدخل من جميع الدنيا ؟ إجراء هذه القدر للنفقه ، مع شدة الغلاء . فإنهم في هذه السنة في شعبان منها ، كانوا ببغداد يأكلون الميتات والآدميين ، ومات الناس على الطرق ، وبيع العقار بالرغيفين