أبو جعفر الإسكافي

77

المعيار والموازنة

وكذلك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قد جاز بالصبر حد الفرض وبلغ من صبره بأن احتمل ما لم يحتمله غيره ، وبذل من نفسه ما لم يكلفه ، وستذكر تفسيره في موضعه إن شاء الله . قلنا : فأسلم أبو بكر غنيا شكورا ، وأسلم علي بن أبي طالب رحمه الله فقيرا صبورا ، فأنى يكون أبو بكر في إنفاقه المال مقدما ؟ ! . على أن بينهما فرقا لطيفا يوجب للصابر ما للشاكر ، ولا يوجب للشاكر ما للصابر لأنه قد يقال للصابر على البلاء : أحمد الله واشكره على ما ابتلاك به ، ولا يقال لصاحب العافية : أحمد الله والصبر على الغنى والعافية . وبمثل هذا قد يفرق بين الأنصاري والمهاجري ، إن معنى الأنصاري قد دخل في فعل المهاجري بالنصرة لله والرسول صلى الله عليه وسلم ، فالنصرة لله ورسوله داخل ( 1 ) في فعل المهاجري ، والهجرة لا تدخل في فعل الأنصاري ، [ و ] لذلك فإن المهاجرين أفضل من الأنصار وارفع منزلة . ففضل إسلام علي مع فقره على أبي بكر مع غناه كفضل المهاجرين على الأنصار لأن محنة الفقراء أعظم من محنة الأغنياء ، كما أن محنة الهجرة أعظم من غيرها ، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر ممتحنا . فأسلم علي بن أبي طالب مع فقره ، ونابذ قومه مع فاقته ، وخلع الدنيا [ عن نفسه ] مع حداثته وحاجته ، وكثرة دواعيه ونوازعه ، فقمع الشهوة بصحة العزيمة ، وأزال الوحشة بالانقطاع إلى الله ، واعتصم بالتقوى ، وتقوى بالتوكل ( 2 ) وفارق القرابة ، واستبدل بها الأنس بالله ، وكابد المشقة بحسن الفكرة ، واستعمل الصبر بيقين القلب . قلنا : فالفقر محنة عظيمة قد افتتن بها الخلق عامة ، وهتكت ستر أكثر الخاصة ،

--> ( 1 ) هذا هو الظاهر ، وفي الأصل : " وفي فعل المهاجري داخل . . . " . ( 2 ) هذا هو الظاهر من السياق ، وفي الأصل : " وتعرى بالتوكل . . . " .