أبو جعفر الإسكافي

168

المعيار والموازنة

لنا منهم [ و ] لسنا نخاف أن يحيف الله علينا ورسوله وقد أكلتنا الحرب ولا نرى البقاء إلا في الموادعة . وتكلم عامة الناس مثل كلامه ( 1 ) . فلما رأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الاختلاف قد شمل عسكره وشك في حربهم عامة أصحابه أجاب القوم إلى ما سألوا [ ه ] . فإن قال قائل : أرأيت لو أن أصحابه لم يختلفوا عليه كان يحبذ قتالهم ( 2 ) وقد دعوه إلى حكم الكتاب ، وأمسكوا عن حربه ؟ وإنما حل قتالهم في البدء لأنهم أبوا حكم الكتاب . قلنا له : إنما دعاهم أولا ليدينوا بحكم الكتاب وليرجعوا إلى ما أمر [ هم ] الله [ به ] والدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار وعلى الشاك منهم أن يجئ مجئ مستفهم متعلم لا مجئ مستطيل محارب . على أنه [ عليه السلام ] لم يستحل قتالهم أولا حتى أقام عليهم الحجة ودلهم على بغيهم وباطلهم ، فلا يرفع عنهم السيف بعد إقامة الحجة إلا بالإنابة والتوبة . وليس قولهم في هذا الحال : " قد رضينا بحكم الكتاب " إلا خديعة ظاهرة ومكيدة مكشوفة ، فلا معنى لقولهم هذا مع الإقامة على التعبئة وتهيئة الحرب ، فإن كانوا طلبوا الحجة وكشف البينة ، فقد قامت في البدء ووضحت . فإن قالوا : قد رضينا بحكم الكتاب على الندم والرجوع والإنابة فعلامة دعواهم

--> ( 1 ) قال نصر في كتاب صفين ص 484 : وذكروا أن الناس ماجوا وقالوا : أكلتنا الحرب وقتلت الرجال . وقال قوم : نقاتل القوم على ما قاتلناهم عليه أمس . ولم يقل هذا إلا قليل من الناس ، ثم رجعوا عن قولهم مع الجماعة ، وثارت الجماعة بالموادعة . ( 2 ) لعل هذا هو الصواب ، أو الصواب : " كان يحل قتالهم " أو " كان يجيز قتالهم " ؟ وفي الأصل : " كان حبر قتالهم " .