أحمد بن الشيخ صالح آل طوق القطيفي
204
رسائل آل طوق القطيفي
التكليف الإيجادي يسبق القوّة ، والقوّة في قوس الإيجاد التكليفي تسبق الفعل . وبذلك يكمل الاختيار والاختبار ، ولا يكلَّف الله نفساً إلَّا وسعها فيهما ، وما كان عن الوسع لا يمكن كونه عن جبر واضطرار . فآخر القوس البدئيّ وأوّل العوديّ مرتبة الهيولى الصرف والهيولانيّ البحت . ولعلّ من أسرار ذلك وجوب المناسبة بين الفاعل من حيث هو فاعل أي بجهة فاعليّته التي هي علَّة المفعول - [ و ] القابل من حيث هو كذلك ، فلا يلزم من ذلك تشابه حقيقة الفعل لذات الفاعل لذاته ، فلا يشبه ذات الفعل ذات فاعله من غير مزايلة ، ولا ينافيها من غير ممازجة ومشابهة . وكذلك النتيجة والشكل ، والدليل والمدلول ، والاسم والمسمّى ، والعلَّة والمعلول ، إلى غير ذلك . فظهر بهذا أن النهار في صقع الإبداع الأوّل سابق على ليله ، والليل في صقع القوّة الاستعداديّة ودائرة الزمان وعرصة المكان سابق على نهاره . فسبق النهار في ابتداء الخلق هو سبق الليل في عالم الزمان ، لأنّ هذا ظلّ ذاك ، والظلّ لا يظهر إلَّا على عكس شكل ذي الظلّ ، فأسفله أعلاه ، وأعلاه أسفله ، كما هو محسوس . فدليل كلّ منهما هو دليل الآخر ، فالمجرّد سابق الأجسام بدءاً ، ولاحقها عوداً . وعند كون أحدهما شهادةً يكون الآخر غيباً فيه ، فكلّ منهما ليل للآخر بوجه ، الظاهر نهار والغائب ليل . ومن هنا يظهر لك الوجه في موارد كثيرة ، فآدم عليه السلام : سكن الجنّة قبل الدنيا وبعدها ، ولو لم يسكنها أوّلًا لم يسكنها آخراً ؛ لأنه لا يعود شيء إلَّا لما منه بدأ . ولذا من لم يسكنها من بني آدم عليه السلام : أوّلًا ولم يدخل نار التكليف المؤجّجة في الذرّ لا يسكنها آخراً ، وإنّما عود إلى بدء . وكانت دولة الجهل في دار الخلط سابقه على دولة العقل ، فلا يقوم العدل حتّى يستحكم الجور ويخلص ، وذلك بعد انتهاء الأقاليم السبعة ، وكمال عمارة الدنيا . فإذا سامتَ القطب الرأس ، واستولى على الحواسّ ، وانطبقت دائرة المعدّل على الأُفق الحقيقيّ ، عُدم الميل وانسلخ النهار من