أحمد بن الشيخ صالح آل طوق القطيفي

18

رسائل آل طوق القطيفي

وإليه ، لم تخرج ولن تخرج عن حقيقة عبوديّتها له ، فهي بجميع شؤونها ملك لله وحده ، لم يسبقها إليه سابق ، ولا يلحقها لاحق ، ليس بينها وبين الله سبب وحجاب سواها ، فهي سبب الأسباب لربّ الأرباب . فمعنى قول زين العابدين عليه السلام : « لَكَ يَا إلهِي وَحْدَانِيّةُ العَدَدِ » أن وحدانيّة العدد التي هي أصل الكثرات ، وعنصر المعدودات والوحدات ، وبها قوامها بل هي أرقاها ملك لك وخلق ، وحدك لا شريك لك . ووقع بذكرها الاهتمام من الإمام لأنّ بها القوام ، وهي رابطة عقد النظام في كلّ مقام . وفيه إشارة إلى إبطال قول بعض الملحدين في أسمائه : ( إن أُصول الأعداد الحقيقية هي الصانع ) ، تعالى الله عمّا يقول المشبّهون علوّاً كبيراً . فبطل ما توهّم بعضهم من أن وحدانيّة العدد صفة لله تعالى وتقدّست أسماؤه . وهذا يردّه العقل والنقل ؛ لما يستلزمه من التشبيه والتركيب تعالى الله عنهما . وممّا يصرّح بإبطاله قول أمير المؤمنين : عليه سلام الله في وقعة الجمل للأعرابي كما رواه في ( معاني الأخبار ) ( 1 ) وغيره ( 2 ) ، حيث قال : أتقول أن الله واحد ؟ فقال سلام الله عليه - « يا أعرابي ، إنّ القول في أنّ الله تعالى واحد على أربعة أقسام ، فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ ، ووجهان يثبتان فيه : « فأمّا اللذان لا يجوزان عليه ، فقول القائل : واحد ، يقصد به باب الأعداد . فهذا ما لا يجوز ؛ لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، ألا ترى أنّه كفر من قال : ثالث ثلاثة ؟ وقول القائل : هو واحد من الناس ، يريد النوع من الجنس . فهذا ما لا يجوز ؛ لأنه تشبيه ، وجلّ ربّنا عن ذلك وتعالى . « وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه ، فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه . كذلك ربّنا . « وقول القائل : إنّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى ، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم ، كذلك ربّنا عزّ وجلّ » . فافهم ولا تتوهّم ، والله العالم .

--> ( 1 ) معاني الأخبار : 5 6 / 2 . ( 2 ) التوحيد : 83 / 3 .