تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري

72

مباحث الأصول

كان هناك حكمان ظاهريان أحدهما يقتضي التنجيز والآخر يقتضي التعذير ، فهل يتعارضان بقطع النّظر عن وصول كليهما ، أو لا يتعارضان إلَّا عند وصول كليهما ؟ . فبناء على المبنى المشهور يتّجه الثاني ، إذ لا تعارض بين إنشاءين واعتبارين بما هما إنشاءان واعتباران ، وإنّما يتنافيان من ناحية ما يترتّب عليهما من المنجّزيّة والمعذّريّة . وإنّما يترتّب ذلك بعد الوصول لا قبله ، فإذا دلَّت البراءة الشرعية مثلا على ترك الدعاء عند رؤية الهلال وقد دلّ خبر الواحد على وجوبه ، وشككنا في حجّيّة خبر الواحد فالبراءة لا تدلّ على عدم حجّيّة خبر الواحد ، إلا تنافي بينهما إلَّا من حيث التعذير والتنجيز المترتّبين على الوصول ، والمفروض عدم وصول حجّيّة خبر الواحد . وأمّا بناء على المبنى المختار فتقع المنافاة بين الحكمين الظاهريّين بقطع النّظر عن الوصول ، إذ من الواضح أنّ اهتمام المولى بغرضه عند الشك وعدمه نقيضان لا يجتمعان ، والمفروض أنّ المدلول التصديقي العرفي لأدلَّة الأحكام الظاهريّة الموجبة للتنجيز والتعذير هو الاهتمام بالغرض عند الشك وعدمه ، كما أنّ المدلول التصديقي لأدلَّة الأحكام الواقعيّة نفس الغرض ، وأمّا نفس الجعل والاعتبار بما هو فلا أثر له ولا يكون موضوعا لحكم العقل لا في الأحكام الواقعيّة ولا في الأحكام الظاهريّة . وعلى هذا فدليل البراءة في المثال الَّذي ذكرناه - المقتضي بإطلاقه تشريع البراءة عن الدعاء عند رؤية الهلال سواء دلّ خبر الواحد على وجوبه أو لا - يدلّ لا محالة على عدم حجّيّة خبر الواحد ، إذ هو يدلّ على عدم اهتمام المولى بغرضه عند الشك حتى لو اقترن الأمر بورود خبر الواحد الدال على الوجوب ، بينما حجّيّة خبر الواحد لو كانت مشرّعة فهي تدلّ على اهتمام المولى بغرضه عند الشّك المقترن بورود خبر الواحد على الوجوب فهما متنافيان لا محالة . نعم سنتمسك عندئذ بدليل حجّيّة الإطلاق الَّذي هو دليل ثالث من أدلَّة الأحكام الظاهريّة غير دليل البراءة وغير دليل حجّيّة خبر الثقة ونثبت