علي أكبر السيفي المازندراني
115
مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية
وثانياً : ليس قبح الكذب ذاتياً - مثلا - إذا توقّف إنجاءُ النفس المحترمة على الكذب في واقعة ، لا يشكّ أحد من المسلمين في جوازه حينئذ . والتقية أيضاً إنّما شرِّعت للاضطرار . فيرتفع إثمّ الكذب عند الاضطرار ، كما قال الله تعالى : ( فمن اضطُر غير باغ ولا عاد فلا إثمّ عليه ) . بل قد جُوّز الكذب لمصالح مهمّة كإصلاح ذات البين ، ونحو ذلك من المصالح الهامّة المبتنية عليها مشروعية التقية المداراتية . هل تنافي مشروعية التقية حجّية روايات الشيعة وأمّا تطرق احتمال التقية في جميع الروايات الصادرة عن أهل البيت ( عليهم السلام ) فلا أساس له ، بل إنّما يعتقد الشيعة الإمامية أنّ الأئمّة ( عليهم السلام ) لم يتّقون في بيان الأحكام الشرعية ، إلاّ في موارد خاصّة يصان ويُحفظ فيها دماء المسلمين وكيان المذهب ويُسدُّ فيها عن الفرقة والعداوة والبغضاء بين المسلمين ببيان الحكم الموافق لأبناء العامّة . هذا ، مع أنّ وفي مثل هذه الموارد توجد قرائن تمنع عن الإغراء بالجهل وعن اشتباه الحكم الواقعي . ومن تلك القرائن وجود أخبار مبيّنة للحكم الشرعي الواقعي المطابق للحقّ ، واتّفاق أهل العامّة على الحكم الموافق للتقية ، أو اشتهار ذلك الحكم بين العامّة . ثمّ أمروا شيعتهم بالأخذ بما خالف العامّة وطرح ما وافقهم . فما دام لم تتوفّر هذه القرائن ، لا يجوز حمل الأخبار الصادرة عنهم ( عليهم السلام ) على التقية ، بل لا يحتمل التقية حينئذ ; لعدم وجه مجوّز لها . والحاصل : أنّ للتقية في الروايات ضابطة تبتني على القرينتين المذكورتين ، ولا يمكن حمل الأخبار على التقية في غير موردهما . وأمّا عدم جواز كتمان الإيمان فهو في غاية البطلان والسخافة ; لما صرِّح به في الكتاب العزيز بقوله تعالى ( يكتم إيمانه ) في قضيّة مؤمن آل فرعون .