أحمد بن الشيخ صالح آل طوق القطيفي

39

رسائل آل طوق القطيفي

الفصل الأول في التوحيد اعلم أن مَن له أوّل درجة من العقل إذا فكَّر فيما علمه بالضرورة الفطريّة أو الحسيّة في أنه كان بعد أن لم يكن ووُجِدَ بعد العدم ، وكذلك أبوه وجدّه ، وأنه لم يخلق نفسه ، وإلَّا لم يرضَ لنفسه بالعدم في حال ؛ لأن العدم خسيس دنيء ، والوجود شريف رفيع ، ولا خلقه مَن هو مثله ؛ إذ لا مرجّح لأحد المثلين المتساويين على الآخر حتّى يكون أحدهما خالقاً والآخر مخلوقاً ؛ لأن الخالق أشرف من المخلوق ، وشرف المخلوق إنما يكون من الخالق ، لأن الصنعة تعلو وتزكو على قدر علوّ صانعها وشرفه ، علم بذلك أن له صانعاً لا يشبهه بوجه أصلًا . وأيضاً إذا فكَّر ونظر إلى تعاقب الضدّين على الشيء الواحد كالطلوع والغروب على الكوكب ، وتنقّل مثل الشمس والقمر في البروج ، وكونهما قد يُخسَفان في بعض الأحيان ، وكون القمر تارة بدراً كاملًا وأُخرى هلالًا ، أو مختفياً لا يُرى ، وكون بعض الكواكب أنور من بعض ، وكون النباتات كلَّها تارة بذراً وتارة حشيشاً مثلًا ، وتارة ثمرة مُرّة وتارة ثمرة حلوة كالرطب ، وتارة ييبس ويعود هشيماً وحطباً ، علم بذلك أنها لم توجِد نفسها ولم تُدبّر حالها ، وإلَّا لما اختارت الحالة الذميمة الوضيعة على الحالة الشريفة الرفيعة ، ولا خَلَقها مَن هو مثلها لما مرّ .