السرخسي
206
المبسوط
أصحابنا رحمهم الله تعالى يقولون الحرمة تثبت هنا بطريق العقوبة كما تثبت حرمة الميراث في حق القاتل عقوبة والأصل فيه قوله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم الآية وعلى هذا الطريق يقولون المحرمية لا تثبت حتى لا تباح الخلوة والمسافرة بها ولكن هذا التعليل فاسد فان التعليل لتعدية حكم النص لا لاثبات حكم آخر سوى المنصوص فان ابتداء الحكم لا يجوز اثباته بالتعليل والمنصوص حرمة ثابتة بطريق الكرامة فإنما يجوز التعليل لتعدية تلك الحرمة إلى الفروع لا لاثبات حكم آخر سوى المنصوص ولكن الصحيح أن نقول هذا الفعل زنا موجب للحد كما قال ولكنه مع ذلك حرث للولد ويصلح أن يكون سببا لثبوت الحرمة والكرامة باعتبار أنه حرث للولد ألا ترى أنه في جانبها الفعل زنا ترجم عليه وإذا حبلت به كان لذلك الولد من الحرمة ما لغيره من بني آدم فيثبت نسبه منها وتحرم هي عليه وثبوت هذا كله بطريق الكرامة لأنه حرث لا لأنه زنا فكذا هنا فبهذا التقرير يتبين فساد استدلالهم بالحديث فانا لا نجعل الحرام محرما للحلال وإنما نثبت الحرمة باعتبار ان الفعل حرث للولد وحرمة هذا الفعل بكونه زنا على أن هذا الحديث غير مجرى على ظاهره فان كثيرا من الحرام يحرم الحلال كما إذا وقعت قطرة من خمر في ماء وكالوطئ بالشبهة ووطئ الأمة المشتركة ووطئ الأب جارية الابن فان هذا كله حرام حرم الحلال لا لأنه حرام بل للمعنى الذي قلنا فكذلك هنا ومن فروع هذه المسألة بنت الرجل من الزنا بأن زنى ببكر وأمسكها حتى ولدت بنتا حرم عليه تزوجها عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يكون حراما وله في البنت الملاعنة التي لم يدخل بالأم قولان واستدل فقال نص التحريم قوله تعالى وبناتكم وذلك يتناول البنت المضافة إليه نسبا والبنت من الزنا غير مضافة إليه نسبا بل هي حرام الإضافة إليه نسبا ولو أثبتنا الحرمة فيها كان اثبات الحرمة بالزنا وبه فارق جانبها فان الابن من الزنا يضاف إلى الأم نسبا فكانت هي حراما عليه لقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وتبين بهذا التفريق ان هذه الحرمة الثابتة شرعا تنبنى على ثبوت النسب شرعا والنسبة إلي الزاني غير ثابتة من كل وجه فكذا هنا وهكذا يقول على أحد القولين في بنت الملاعنة وعلى القول الآخر يفرق بينهما فيقول النسب هناك كان ثابتا باعتبار الفراش لكن انقطع باللعان وبقي موقوفا على حقه حتى لو أكذب نفسه يثبت النسب منه ولا يثبت من غيره وان أعاده فيجوز ابقاء الحرمة وهنا النسب لم يكن ثابتا أصلا