السرخسي

148

المبسوط

ان القتل اسم لجرح يعقبه زهوق الروح وقد وجد ذلك ولا شك ان القطع غير القتل فالقطع اسم لفعل يكون مؤثرا في إباحة جزء من الجملة والقتل اسم لفعل يكون مؤثرا في ازهاق الروح وإنما يتعين ذلك باعتبار المآل ولهذا يعتبر في الجنايات مآلها حتى إذا قطع يد امرأة أو يد رجل من نصف الساعد لم يكن عليه القصاص فان سرى إلي النفس يجب القصاص فبهذا يتبين ان عند السراية تبين ان أصل الفعل كان قتلا لا ان يقال كان قطعا فصار قتلا لان الفعل لا يتصور أن يكون علي صفة ثم يصير على صفة أخرى إذ لا بقاء له ولا يتبين أنه كان قتلا في الأصل وهو بمنزلة تحريك الخشبة إن لم يصب شيئا كان تحريكا وان ألقاها على ما انكسر بها كان كسرا وان ألقاها على حيوان فمات بها كان قتلا وهاهنا لما انزهق الروح بهذا الفعل عرفنا انه كان قتلا من الأصل ولا حق له في القتل فيكون هذا قتلا بغير حق بمنزلة ما لو حز رقبته ولهذا كان القياس أن يلزمه القصاص عند أبي حنيفة الا انه أوجب عليه الدية استحسانا بمنزلة الخطأ فإنه ما قصد قتله وإنما قصد استيفاء حقه بإقامة فعل هو حق فيكون بمنزلة ما لو رمى إلى صيد أو حربي فأصاب مسلما * يوضحه ان الفعل من حيث الصورة حقه وباعتبار المآل كان غير حقه والحكم وإن كان يبنى على ما يظهر في الحال فنسبة ذلك الفعل لصورته وصفة الحقية في صورته تكون شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات وما ادعوا من تمييز أحد المحلين حكما كلام لا معنى له لان هذا التمييز في حكم القطع الذي هو قصاص فقط فأما فيما وراء ذلك فنفس من عليه وأطرافه كشئ واحد وقد بينا ان هذا ليس باستيفاء لحقه وكذلك الفعل إنما يكون جزاء إذا كان قطعا لا إذا كان قتلا وطرف من عليه غير مملوك لمن له القصاص حكما حتى إذا قطع كان البدل لمن عليه لا لمن له القصاص ولكن في حق المتمكن من استيفاء حقه جعل كأنه له واستيفاء حقه يكون بفعل هو قطع لا بفعل هو قتل قوله التحرز عن السراية ليس في وسعه قلنا نعم ولكن العفو والترك في وسعه وهو مندوب إليه قال الله تعالى وأن تعفوا أقرب للتقوى وإنما يتقيد بالوسع ما يكون مستحقا عليه فأما ما يكون مباحا له كالمشي في الطريق والرمي إلى الصيد وتعزير الزوج زوجته فمقيد بشرط السلامة وإن لم يكن في وسعه ايجاد ذلك لان ذلك غير مستحق عليه ثم عجزه لا يجوز أن يكون مسقطا حرمة صاحب النفس في نفسه وأكثر ما في الباب ان يتقابل حقان حق هذا في طرف يسلم له بلا خطر وحق الآخر في نفس محترمة متقومة فتترجح حرمة النفس على حرمة الطرف أو يعتبر الحرمتان فلحقه