السرخسي
181
المبسوط
بشهادة الزور لا يحل له تناوله ويكون ذلك منه أكلا باطلا وقال النبي صلى الله عليه وسلم انكم تختصمون إلى ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من نار والمعنى فيه أن قضاءه اعتمد سببا باطلا فلا ينفذ باطنا كما إذا قضى بشهادة العبيد أو الكفار أو المحدودين في القذف وبيان الوصف أن قضاءه اعتمد شهادة الزور وهو سبب باطل فإنه كبير وحجة القضاء مشروعة والكبيرة ضدها وإذا كانت تهمة الكذب تخرج الشهادة من أن تكون حجة للقضاء فحقيقة الكذب أولى ولان ما قضى به لا كون له فيكون قضاؤه باطلا كما لو قضى بنكاح منكوحة الغير لإنسان بشهادة الزور وبيان الوصف انه أظهر بقضائه نكاحا كان قد تقدم وإذا لم يكن بينهما نكاح فلا يتصور إظهاره بالقضاء عرفنا أنه قضى بما لا كون له ولا يجوز أن يجعل قضاؤه ان شاء لأن ولاية الانشاء لم تثبت له فان سبب ولايته دعوى المدعى وشهادة شهوده وهو إنما ادعى عقدا سابقا وبذلك شهد شهوده فلا يتمكن القاضي من القضاء بما لم يدعه المدعى ولا يشهد به الشهود ولان القاضي لم يقصد ان شاء العقد بينهما وإنما ينفذ قضاءه على الوجه الذي قصده ( ألا ترى ) أن قضاءه في الاملاك المرسلة لا ينفذ باطنا لهذا المعنى ولا يجعل ذلك انشاء تمليك منه وبه فارق قضاء القاضي بالفرقة بين المتلاعنين وبيعة التركة في الدين الثابت بشهادة الزور لأنه قصد الانشاء هنا وما ظهر عنده من الحجة يصلح للانشاء أيضا وكذلك في المجتهدات يثبت له ولاية الانشاء بما لاح عنده من الدليل وقضاؤه ان شاء أيضا بطريق القصد منه إلى ذلك فاما هنا إنما قصد الامضاء فلا يمكن أن يجعل منشئا ( ألا ترى ) ان رجلا وامرأة لو أقرا بالنكاح وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما لم يثبت النكاح بينهما باطنا بهذا الاقرار وهما يملكان الانشاء ولكنهما بالاقرار أظهر عقدا قد كان بينهما فلا يجعل ذلك انشاء منهما ولان المدعى متيقن بما لو تبين القاضي به امتنع من القضاء فلا ينفذ قضاؤه في حقه وإن كان القاضي معذورا لخفاء هذه الحقيقة عليه كما لو كانت امرأة مجوسية أو مرتدة أو منكوحة الغير أو أخته من الرضاعة والدليل على أن قضاءه ليس بانشاء أنه لا يستدعى شرائط الانشاء من الشهود والمهر والولي وأبو حنيفة رحمه الله احتج بما روى أن رجلا ادعي على امرأة نكاحا بين يدي علي رضي الله عنه وأقام شاهدين فقضى علي رضي الله عنه بالنكاح بينهما فقالت المرأة إن لم يكن بدا يا أمير المؤمنين فزوجني منه فإنه لا نكاح بيننا فقال علي رضي الله عنه شاهداك