السرخسي
178
المبسوط
أن يراقب الناس ورجوعه صحيح مقبول في حقه وإن كان مردودا فيما يرجع إلى حق غيره حتى إذا رجع قبل القضاء لم يقض القاضي بشهادته لبطلانها بالرجوع وإذا رجع بعد القضاء لم يبطل برجوعه حق المقضى له والأصل فيه الحديث الذي بدأ الكتاب به ورواه عن الشعبي رحمه الله أن رجلين شهدا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه على رجل بالسرقة فقطع يده ثم آتيا بعد ذلك بآخر فقال أوهمنا إنما السارق هذا فقال علي رضي الله عنه لهما لا أصدقكما على هذا الآخر وأضمنكما دية يد الأول ولو أتى أعلمكما فعلتما ذلك عمدا قطعت أيديكما ففيه دليل أن الرجوع عن الشهادة صحيح في حقه وانه عند الرجوع ضامن ما استحق بشهادته وانه غير مصدق في حق غيره للتناقض في كلامه والمناقض لا قول له في حق غيره ولكن التناقض لا يمنع إلزامه حكم كلامه ثم الشافعي رحمه الله يستدل بالحديث في فصلين أحدهما في وجوب القصاص على الشهود إذا رجعوا بعد ما استوفى العقوبة بشهادتهم وزعموا أنهم تعمدوا ذلك في شهادتهم وفي أن اليدين يقطعان بيد واحدة فقد قال ولو أنى أعلمكما فعلتما ذلك عمدا قطعت أيديكما فإذا جاز قطع اليدين يقطعان بيد واحدة بطريق الشهادة فبالمباشرة أولي ولكنا نقول هذا اللفظ منه على سبيل التهديد بدون التحقيق وقد تهدد الامام بما لا يتحقق قال عمر رضي الله عنه ولو تقدمت في المتعة لرجمت والمتعة لا توجب الرجم بالانفاق ثم لم يكن من علي رضي الله عنه هكذا كذبا لأنه علق بما لا طريق إليه وهو العلم بأنهما فعلا ذلك عمدا فلم يكن هذا كذاب بهذا التعليق ويحصل المقصود وهو الزجر وهو نظير قوله تعالى بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون ثم لم يكن هذا الكلام من إبراهيم صلوات الله عليه كذبا لأنه علقه بما لا يكون ومعناه ان كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم والدليل عليه أن من مذهب علي رضي الله عنه أن اليدين لا يقطعان بيد واحدة فقد روى ذلك عنه في الكتاب فبهذا تبين أن مراده التهديد وذكر عن حماد رحمه الله أنه كأن يقول في الشاهدين إذا رجعا عن الشهادة بعد قضاء القاضي فإنه ينظر إلى حالهما يوم رجعا فإن كان حالهما أحسن منه يوم شهدا صدقهما القاضي في الرجوع ورد القضاء وأبطله وإن كان حالهما يوم رجعا مثل حالهما يوم شهدا دون ذلك لم يصدقهما القاضي ولم يقبل رجوعهما ولم يضمنها شيأ وكان القضاء الأول ماضيا وبهذا كان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولا ثم رجع فقال لا أبطل القضاء بقولهما لاخر وإن كان أعدل منهم يوم شهدا ولكن أضمنهما المال الذي شهدا به وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله وجه قوله الأول