السرخسي

108

المبسوط

كان يقول في جميع من يحمل الحمولة على ظهره أو على دابته أو سفينة ثم رجع عن ذلك فقال كل ما صار مسيرا له من الاجر شئ معروف فله أن يأخذه بذلك وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله وسواء كان الاجر دراهم أو ثوبا أو عبدا أو غير ذلك وأصل المسألة أن الأجرة لا تملك بنفس العقد ولا يجب تسليمها به عندنا عينا كان أو دينا وإنما تملك بأحد معان ثلاثة إما التعجيل أو شرط التعجيل أو استيفاء ما يقابله وعند الشافعي رحمه الله تملك بنفس العقد ويجب تسليمها عند تسليم الدار أو الدابة إلى المستأجر وحجته في ذلك أن هذا عقد معاوضة فمطلقه يوجب ملك البدل بنفسه كعقد البيع والنكاح وهذا لان ما هو المعقود عليه المنفعة ومنفعة العين في حكم العين فكما يملك البدل في العقد الوارد على العين بنفسه فكذلك في العقد الوارد على المنفعة والدليل على أن المنفعة في حكم العين صحة الاستئجار بأجرة مؤجلة وما ليس بعين فهو دين والدين بالدين حرام في الشرع وهذا لان المنفعة وان كانت معدومة عند العقد حقيقة فقد جعلت كالموجودة حكما بدليل جواز العقد ولزومه وعقد المعاوضة على المعدوم لا ينعقد ولا يلتزم وللشرع ولاية أن يجعل المعدوم حقيقة موجودا " حكما لحاجة الناس إليه كما جعل النطفة في الرحم ولا حياة فيها كالحي حكما في حق الإرث والعتق والوصية وكما جعل الحي حقيقة كالميت حكما والمرتد اللاحق بدار الحرب وإذا صارت موجودة حكما التحقت بالموجود حقيقة فتصير مملوكة بالعقد وكما يصير مملوكا بالعقد حكما يصير مسلما بتسليم الدار بدليل أن المستأجر يملك التصرف فيه بالإجارة من الغير وأنه لو استأجر دارين فانهدمت أحدهما بالقبض لم يكن له خيار في رد الأخرى لتفرق الصفقة بعد التمام بخلاف ما قبل القبض وأنه لو تزوج امرأة على سكنى دار سنة فسلم الدار إليها لم يكن لها أن تحبس نفسها لاستيفاء المنفعة بخلاف ما قبل تسليم الدار إليها ولا يدخل على هذا ما إذا انهدمت الدار فان المنفعة لا تتلف في ضمان المستأجر لأنا جعلناها كالموجودة المسلمة باعتبار عرضية الوجود في المدة وقد زال ذلك بانهدام الدار وهو كما لو جعلنا النطفة في الرحم كالحي لكونها معدة لذلك فان زال ذلك بالانفصال ميتا بطل حكم العتق والإرث والوصية له لانعدام المعنى الذي لأجله جعل كالموجود والدليل عليه أن الأجرة تملك بشرط التعجيل ولو كان مقتضى مطلق العقد تأخر الملك في الاجر أو لم تجعل المنفعة كالموجودة حكما لما وجب الاجر بالشرط كما قلتم في الإجارة المضافة إلى وقت في المستقبل ولان أكثر ما في الباب أن تقام عين الدار مقام المعقود عليه في