السرخسي

119

المبسوط

بني إسرائيل ولئن كانوا في الأصل من العرب فجنايتهم في الغلظ ليست كجناية عبدة الأوثان فان أهل الكتاب يدعون التوحيد ولهذا تؤكل ذبائحهم وتجوز مناكحة نسائهم بخلاف عبدة الأوثان والأصل فيه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من يهود تيماء ووادي القري وكذلك من بهزا وتنوخ وطي وعمر رضي الله عنه أراد أن يوظف الجزية على نصاري بنى تغلب ثم صالحهم على الصدقة المضعفة وقال هذه جزية فسموها ما شئتم وكانوا من العرب فأما عبدة الأوثان من العجم فلا خلاف في جواز استرقاقهم وإنما الخلاف في جواز أخذ الجزية منهم فعندنا يجوز ذلك وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز بمنزلة عبدة الأوثان من العرب فان الله تعالى خص أهل الكتاب بحكم الجزية بقوله تعالي ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وزعم الشافعي ان المجوس أهل كتاب وروى فيه أثرا عن علي رضي الله عنه أنه قال كان لهم كتاب يقرؤن إلى أن واقع ملكهم ابنته فأصبحوا وقد أسرى بكتابهم حديث فيه طول ( وحجتنا ) في ذلك أن الجزية تؤخذ من المجوس بالاتفاق ولا كتاب لهم فان النبي صلى الله عليه وسلم قال سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب ففي هذا تنصيص على أنه لا كتاب لهم وقال الله تعالى ان تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ولو كان للمجوس كتاب لكانوا ثلاث طوائف والأثر بخلاف نص القرآن لا يكاد يصح عن علي رضي الله عنه فثبت أن لا كتاب للمجوس ومع ذلك تؤخذ منهم الجزية وهم مشركون فإنهم يدعون الاثنين وان اختلفت عبارتهم في ذلك من النور والظلمة أو يزدان وأهرمن وليس الشرك الا هذا فإذا جاز أخذ الجزية منهم فكذلك من غيرهم من المشركين وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر وبهذا تبين أن ذكر أهل الكتاب في الآية ليس لتقييد الحكم بل لبيان جواز أخذ الجزية من أهل الكتاب ومن أصلنا أن تخصيص الشئ بالذكر لا يدل علي أن الحكم فيما عداه بخلافه قوم غزوا أرض الحرب فارتد منهم طائفة واعتزلوا عسكرهم وحاربوا ونابذوهم فأصاب المسلمون غنيمة وأصاب أولئك المرتدون غنيمة من أهل الشرك ثم تابوا قبل أن يخرجوا من دار الحرب لم يشارك أحد الفريقين الآخر فيما أصابوا لان بعضهم لم يكن ردءا للبعض فالمسلمون لا ينصرون المرتدين ولا يستنصرون بالمرتدين إذا حزبهم أمر ولان مصاب المرتدين ليس بغنيمة إذ لم يكن قصدهم عند الإصابة اعزاز الدين والمرتدون في حق