السيد محمد الصدر
316
ما وراء الفقه
وأما دلالة السنّة الشريفة على ذلك . فالاستدلال إما أن يكون بالإخبار أو بالسيرة العقلائية أو بالسيرة المتشرعية أو بالارتكاز التشرعي . وأما الأخبار فلا حاجة إلى تجشم سردها بعد وضوحها وتواترها . فليرجع فيها القاري إلى مكانها . وأما السيرة العقلائية . فإن يقال : إنه لا شك أن العقلاء بما هم عقلاء يستنكرون الكذب ويستهجنونه ، ويعدونه ضررا على أغراضهم ومقاصدهم ونقطة سوء وضعف في أقوالهم وأفعالهم . وبالتالي فهو من المحرمات أو الممنوعات في نظرهم . وهذه السيرة لا شك أنها كانت في زمن المعصومين سلام اللَّه عليهم . ولا شك أنها ممضاة من قبلهم عليهم السلام . إذ لو لم تكن ممضاة لوردنا الخبر بالنهي عنها أو نفي مدلولها ، ولو بخبر ضعيف ولم يرد . بل وردت الأخبار والآيات مؤيدة لها وداعية لمضمونها . وقد يخطر في الذهن : أنه كيف نقول : إن الكذب محرم عند العقلاء مع العلم أن الجميع ملتزمون به ومستمرون عليه . بل يعتبر الكذب عصبهم الرئيسي في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية وغيرها . إذن فالسيرة العقلائية على تحريم الكذب غير متحققة . وجواب ذلك : إن من الصحيح استمرار الناس على الكذب . إلَّا أن هذا لا يعني كونه غير محرم في نظرهم ، بل هم يرون أنفسهم حين يكذبون أنهم يعملون العمل المرجوح والفعل المحرم ، والالتزام بالمحرم ليس ببعيد على النفوس الضعيفة والضمائر الجاهلة . غير أنه من الممكن أن يكون هذا الإشكال مما يغيّر صيغة الاستدلال ، وإن كانت النتيجة واحدة . فإننا إن استدللنا بالسيرة العقلائية كسيرة عملية ، وجدنا أن سيرتهم العملية على الكذب لا على تركه . ولكن إذا استدللنا بالارتكاز لعقلائنا أو التسعير العقلائي للأشياء . وجدناهم يعطون للكذب سعرا رديئا ومرجوحا ، بل محرما . وهذا الارتكاز حجة لإمضائه شرعا .