السيد محمد الصدر

301

ما وراء الفقه

ومن هنا نجد أن كلمات الكتاب والسنّة المقدسين ، مناسبة مع كل العقول والمستويات وقد أعطت لكل واحد ولكل جماعة ومجتمع ما ينفعه ويهديه . وهي لم تبخل بأعمق الأفكار غير أنها خاطبت كل أحد بمقدار عقله وتحمّله . فمن لم يكن أهلا للتحمّل يكفي أن يبقى غافلا عن الفكرة وغير فاهم لها من ظواهر الكتاب والسنّة . الناحية الثانية : إن أعمق وأوسع الاستدلال على أصول الدين ومطلق العقائد ، في القواعد الظاهرية الموروثة إنما هو في الفلسفة الإسلامية التقليدية ، والتي هي أعمق من علم الكلام وألطف بما لا يقاس من الدرجات . ولئن ورد النهي في بعض الروايات عن الإفاضة في علم الكلام ، فإنه لم يرد نهي عن الإفاضة في الفلسفة . غير أنني اعتقد أن المستويين الثالث والرابع ينبغي أن يتعاضدا ويتعاهدا في الإيصال إلى النتائج الواقعية . وقد سبق أن كررت هذا المعنى في عدد من أيام عمري : إن الفلسفة بلا عرفان قشر بلا لب . والعرفان بلا فلسفة لب بلا قشر . وهذا معناه أن الفاكهة المفضلة ، كما خلقها اللَّه سبحانه هي لب وقشر معا ولا يصلح أحدهما من دون الآخر . أما استفادة الفلسفة من العرفان ، فإنه يفتح لها حسن الاستدلال وحسن النتائج معا . ولا يكون سير الفيلسوف سيرا في ظلام ، بل تكاملا في نور . ولا يحس بذلك إلَّا من جرّبه . ولهذا خرج عدد من الفلاسفة فلسفتهم بالعرفان ، فأصبحت من هذه الناحية من أفضل الفلسفات وأجل المؤلفات . منهم : صدر المتألهين الشيرازي صاحب كتاب : الأسفار الأربعة . والشيخ ملا هادي السبزواري صاحب المنظومة في الفلسفة وله حاشية جليلة على الأسفار الأربعة نحى فيها المنحى المشار إليه . وهما معا موفقان في هذا الصدد .