السيد محمد الصدر

184

ما وراء الفقه

وهذا واضح باعتبار وحدة السياق في النص كله . أو قل : إن صيغة الأمر واحدة ( فأتوا ) في كل من الجانبين الكل والكلي . وخاصة إذا تصورنا جامعا بينهما . فما ذا سوف يكون حكمه هل هو الوجوب أم الاستحباب ؟ فيقع الفقيه في تهافت . هذا مع لزوم الانتباه إلى نكتة أخرى . وهي أن قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ( فأتوا ) ليس بظاهره أمرا استعلاليا كما يميل المشهور إلى فهمه ولو ارتكازا - لأنهم لم يتعرضوا إلى ذلك - بل هو أمر طريقي . ويكون وجوب الامتثال إنما هو باعتبار الأمر الأول لا هذا الأمر الطريقي الطولي . وهذا واضح من سياق قوله : إذا أمرتكم بشيء فأتوا به ما استطعتم . أي فأتوا به طبقا للأمر الأصلي أو الأول . لا باعتبار هذا الأمر الثاني . وتطبيقه على الحج واضح ، فإنه إنما يجب مكررا - كما هو ظاهر الرواية على ما سبق - طبقا للأمر الأصلي بالحج ، باعتبار وجوبه في كل عام تحصل الاستطاعة فيه . لا طبقا لهذا الأمر الطريقي الطولي . وهو قوله ( فأتوا ) . إلَّا أن هذا متعذر في جانب فهم المشهور . وهو أن نفهم من ( النسيء ) المأمور به الكل ، لنقول بوجوب الإتيان بالبعض الممكن بعد تعذر البعض الآخر . فإن هذا لا يكون بالأمر الأول لوضوح سقوطه بتعذر المجموع . وإنما يكون بالأمر الثاني الطولي وهو قوله ( فأتوا ) . وهذا يعني أن قوله : فأتوا . أمر استدلالي نفسي وليس طريقيا . إذ لو كان طريقيا لم يصلح للحركية بعد سقوط أصله . ويلزم من ذلك أنه مع حمله ( الشيء ) على الكلي يكون هذا الأمر طريقيا ، ومع حمله على ( الكل ) يكون استقلاليا ، وهو باطل . لتعذر الجمع بينهما ، كما هو مذكور في محله ، ولا جامع بينهما ، ولو تصورناه فهو ليس أمرا يجب طاعته بل هو مفهوم انتزاعي لا محركية فيه . فالنتيجة أن المراد بالشيء في هذا النص هو المأمور به الكلي . كالحج