السيد محمد الصدر

56

ما وراء الفقه

ومن الطريف أن الرواية دالة على عدم كلا الشكلين من الميراث لدى الأنبياء ، أعني النقود وما يقيم بها ، يقول : إنما أورثوا حديثا ، يعني أنهم لم يورثوا غير الحديث إطلاقا ، طبقا لمفهوم الحصر ، وهو أمر غير محتمل بالنسبة إلى أكثر الأنبياء بل جميعهم . وإذا احتوت الرواية على ما هو غير محتمل ، سقط مضمونها عن الحجية كله ، فتأمل . المناقشة الثالثة : إن الرواية قالت : العلماء ورثة الأنبياء ، والاستدلال بهذه العبارة يتوقف على إثبات الولاية العامة لكل الأنبياء . كما يتوقف على إثبات أن معنى الميراث انتقال هذه الولاية إليهم . وكلا الأمرين محل نظر وخاصة الأمر الأول ، فإنه من الصحيح أن بعض الأنبياء ، وهم الخمسة أو الأكثر المشهورون ، كانوا يمارسون الولاية العامة . إلا أن الرواية لم تقل أن العلماء ورثة هؤلاء بالخصوص . بل هم ورثة الأنبياء إجمالا . ولا شك أن جملة من الأنبياء لم يكن يمارس ذلك بل لم يثبت صحة ذلك بالنسبة إليه . ومعه يكون القدر المتيقن من هذا الميراث ما هو أضيق من محل الاستدلال بكثير . وقد يخطر في الذهن أن مقتضى هذا التعبير أعني العلماء ورثة الأنبياء كونهم ورثة نبي الإسلام ( ص ) ولا شك أنه كان متصفا بالولاية العامة . فتكون تلك صفتهم أيضا . إلا أن هذا بعيد عن سياق الرواية ، فإنها لم تذكر نبي الإسلام ( ص ) بالتعيين ولا التلميح ، بل ذكرت الأنبياء على وجه الإجمال . وكون الأنبياء السابقين قد نسخت شرائعهم فلا اعتناء بها ، وإنما المهم هو نبي الإسلام ( ص ) . هذا لا يجعل لفظ الأنبياء الذي هو جمع محلى باللام ومفيد للعموم ، لا يجعله خاصا بنبي الإسلام ( ص ) كما هو ظاهر فينبغي السياق على ما هو عليه ، وتكون الرواية قد أهملت فكرة النسخ بالمرة .