السيد محمد الصدر
26
ما وراء الفقه
وبتعبير آخر : إن الشريعة حين ألغت ذلك الفهم العرفي وأبدلته بقاعدة شرعية ، كان اللازم وهو المفهوم شرعا أيضا ، وجوب العمل على القاعدة الشرعية على كل المستويات ، حتى في تعيين المدعي من المنكر . فيكون ذلك مفهوما من الأمر الشرعي بالقاعدة نفسها . أو من أجل التمسك بإطلاقها اللفظي أو المقامي . غير أن الذي يهون الخطب أن أغلب القواعد العرفية ممضاة شرعا في المعاملات ولا يوجد إلا النادر مما هو ملغى في الشريعة من القواعد العرفية . ويدعم ذلك أعني الأخذ بالقواعد الشرعية دون العرفية ، كون الشرعية أكثر بكثير ومستوعبة لكل مناحي الحياة في المعاملات وغيرها . على حين نرى أن القواعد العامة العرفية قليلة . ومن هنا قد تصادف قضية ليس فيها قاعدة عرفية ، فلا مورد فيها عرفا لتعيين المدعي من المنكر ، إلا أنها لا تخلو لا محالة من قاعدة شرعية . وأما مسألة أخذ العرف بالظاهر وأنه أوضح لديه من القواعد الشرعية . الأمر الذي يستوجب الأخذ بالتعريف الخامس دون الثالث . فجوابه : أن الظاهر وإن كان أوضح لدى العرف من غيره بطبيعة الحال ، إلا أن هذا لا يعني جعله المحك والمعيار في تعيين المدعي من المنكر ، وإنما قد يستفاد من ذلك في ميادين أخرى . والعرف الذي يلتفت إلى معنى المدعي والمنكر ، ويكون له مثل هذه الدقة ، يمكنه التعرف على ما قلناه من أن الظاهر يمكن أن يكون اختياريا مفتعلا ، وليس حقيقيا ، فلا يمكن جعله محكا لتعيين المدعي من المنكر . إذن ، فالمتعيّن هو الأخذ بالتعريف الرابع : وهو أن المدعي من خالف قوله الأصل والمنكر من وافقه . والدليل عليه هو موافقته للفهم العرفي كما أوضحنا .