السيد محمد الصدر

214

ما وراء الفقه

وينبغي النظر إلى ذلك على عدة مراحل : المرحلة الأولى : إن الفقيه مربوط بالاستدلال الفقهي لا محالة ، ولا يجوز له التجاوز عنه بحال من الأحوال . فكلما ساق الدليل إليه من الأحكام وجب عليه الفتوى به بنفي النظر عن السبب والحكمة فما يوجد في الفقه من فتاوى في هذا المورد وغيره إنما هو باعتبار مساعدة الدليل عليه . والدليل كما يمكن أن يكون نصا واضحا في الكتاب أو السنة ، يمكن - كذلك - أن يكون أصلا عمليا وقاعدة فقهية وهي قواعد صحيحة بطبيعة الحال ، إلَّا أن نتائجها قد لا تكون مطابقة للواقع مئة بالمئة ، وإنما شرعت للمكلفين باعتبار الجهل بالواقع ، وفي ظرف البعد عن عصر صدور النصوص الإسلامية ، مع إمكان الاكتفاء بغالبية المطابقة للواقع في مثل ذلك الظرف ، وليس لا بد أن يكون ذلك مستوعبا . ومن هنا قد تكون بعض الأحكام التي نستغرب من حكمتها أو الوجه في تشريعها ، إنما هي صادرة من الفقهاء باعتبار تطبيق بعض القواعد العامة ، وقد يكون المورد من جانب عدم مطابقتها للواقع . كل ما في الأمر أننا معذورون أمام اللَّه سبحانه في تطبيق هذا الحكم ، باعتبار أهم ما توصلنا إليه . ومن هنا ممن المحتمل أن تكون بعض تلك الأمور أو الأحكام ناتجة عن أمثال هذه المواقف أو الاستدلالات من قبل الفقهاء . وفي مثله لا نستطيع القول : إن الشريعة المقدسة نفسها تتبنى ذلك أو تحكم به أو أن ننسبه إلى قادة الإسلام مباشرة . المرحلة الثانية : إننا كررنا في هذا الكتاب في أكثر من مناسبة ، ضرورة التسليم بالحكمة الإلهية التي هي السبب والمنشأ للأحكام الشرعية التي نؤمن بها ونعمل عليها كمسلمين ، فإذا ثبت في الشريعة أي حكم من الأحكام كان اللازم التسليم به والرضا بإطاعته . وإنما نتج التشكيك في الحكم الشرعية ، نتيجة للدس الاستعماري