السيد محمد الصدر

207

ما وراء الفقه

وفي الإمكان اختصار هذه الجهات الخمس إلى ثلاث بإدراج الأوليين والرابعة ضمن معنى واحد . وهو عصيان اللَّه سبحانه ، فإن الجهة الأولى ليست أهم منه على أي حال . والجهة الرابعة من جملة متعلقاته ونتائجه . وبتعبير آخر : إن كل هؤلاء الخمس هم في الواقع الأخلاقي أصحاب حقوق تجاه الفرد ، فإذا أجرم الفرد أية جريمة قلَّت أو كثرت ، فقد غمط هذه الحقوق الخمسة كلها . أما الحقان الأولان فإن المطالب به هو اللَّه سبحانه ، وعقوبته أخروية ، والحق الرابع ، وهو حق النفس في الطاعة ، الذي يغمط بظلمها وإيجاد الفساد فيها ، فالمطالب هو به الضمير أو النفس اللوامة ، وليس له جهة ظاهرية . ومن هنا كانت هذه الجهات الثلاث خارجة عن حريم القانون الاجتماعي الدنيوي ، أعني الذي ينظم الحياة الدنيا وإن كان دينيا . ومن هنا بقي عندنا حقان فقط : هما الحق الخاص - في الجهة الثالثة - والحق العام - في الجهة الخامسة - والحق الخاص يكون المطالب به المدعي في المرافعة القضائية إذ يكون المجرم فيها هو المدعى عليه . وإذا حصلت العقوبة أو الجزاء يكون الحق الخاص قد سقط أو استوفي . وأما الحق العام الذي غمطه بإفساده للمجتمع أو في المجتمع ، فمن هو الذي يطالب به ؟ مع العلم أن المجتمع ككل ليس له لسان مطالبة ودفاع في القانون . ومن هنا تولدت فكرة ( الادعاء العام ) ليكون المدعي العام هو المطالب بهذا الحق وبإنزال العقوبة لدى غمطه . والجريمة ، قد تتمخّض للحق العام ، ولا يمكن أن يكون فيها مدع ذو حق خاص ، كالبغي وهو التمرد على الدولة المحقّة ، أو الاعتداء على الأوقاف العامة أو على الأموال العامة أو الإضرار بطريق المسلمين أو إفساد مياههم إلى غير ذلك كثير . ومن هنا يتعين ، في الفهم القانوني أن يكون لأمثال هذه الحقوق