السيد محمد الصدر

205

ما وراء الفقه

للمدعي بينة . وهي رواية مطولة وفيها دلالة على أن أمير المؤمنين عليه السلام كتب اليمين على ورقة ثم غسلها بالماء وأعطى الماء للأخرس ( وأمر الأخرس أن يشربه فامتنع فألزمه الدين ) . وتقريب الاستدلال بها أن امتناع شرب الأخرس للماء بمنزلة النكول ، وقد ألزمه الدين بنكوله ، ومعناه الحكم بالنكول . إلَّا أن هذا الاستدلال قابل للمناقشة : أولا : إن الرواية لم تكن بصدد بيان ذلك بل بصدد بيان كيفية إحلاف الأخرس ، فلا يمكن التمسك بإطلاقها من هذه الناحية . ثانيا : إن الأصحاب الفقهاء لم يعملوا بها إجماعا ، فلا يفتي أحد منهم بهذه الطريقة من إحلاف الأخرس ، وإنما يقول الجميع بأنه يشير بيده ويعقد بقلبه ونحو ذلك . ثالثا : إن امتناع شربه للماء غير كاف للحكم إلَّا بعد التأكد بأنه لم يرد اليمين على المدعي ، وظاهرها خلاف ذلك . رابعا : إنها دالة على أن الإمام أمر المنكر بالشرب يعني أمره باليمين . وقد عرفنا أن القاضي ليس له أن يأمر بذلك ، وإنما هي وظيفة واختيار المدعي ليس إلَّا . إذن تكون هذه الرواية مخالفة للقواعد من عدة جهات فيتعذر الاستدلال بها . ويوكل علمها إلى أهلها . الوجه الثالث : امتناع حسم الموقف بدون الحكم بالنكول ، والقضاء موظف لذلك ، وإلَّا بقيت المنازعات سارية المفعول إذن ، فلا بد من الحكم بالنكول لحسم الموقف بين المتنازعين . وهذا قابل للمناقشة من وجوه منها : أولا : إن هذا ينافي قوله : إنما أحكم بينكم بالبينات والأيمان . اللذان هما الأدلة المنحصرة في كل قضاء . فإذا فقد كلا الأمرين ، وهو ما يحصل في