السيد محمد الصدر

203

ما وراء الفقه

وقد يخطر في الذهن أنه بعد صدور الحكم نتيجة للمرافعة كيف يمكن تغييره بقرائن ظنية تحرف وجهة الدلل بعد أن عرفنا في فصل سابق أن الحكم القضاء يجب التعبد به على كل حال . وجواب ذلك من وجهين على الأقل . أولا : إننا عرفنا أيضا عدم لزوم إصدار الحكم بل يمكن إنجاز الحكم بدون التصريح به إنشاء من قبل القاضي وإنما هو أمر مستحب وليس بالواجب . ثانيا : إن الحكم على تقرير صدوره إنما لا يجوز مناقشته ويجب التعبد به لغير القاضي الذي أصدره وأما هو نفسه فيستطيع تغييره مع اختلاف الأدلة لديه وهذا هو المفهوم من قوله في مقبولة عمر بن حنظلة أن الراد عليه راد علينا والراد علينا راد على اللَّه وهو على حد الشرك باللَّه وهذا يعني أن غيره لا يجوز الرد عليه ولكنه لا يعطي أية حجية بالنسبة إلى من أصدر الحكم نفسه كما هو واضح لمن يتأمل . هذا كله ، إذا ثبت الحكم في المرافعة ثبوتا واضحا كما قلنا . وكذلك الحال في عدم جواز جر المدعى عليه إلى مرافعة ثانية ، فيما إذا كان الاتجاه الفقهي للقاضي هو القضاء بالنكول ، وقد حكم على أساسه بحكم قضائي ، يكون حجة على الآخرين بمقبولة عمر بن حنظلة التي سمعناها قبل قليل : وهي شاملة حتى للقضاة الآخرين مهما كانت صفتهم . ونتيجتها التحريم على القاضي الآخر أن يحرف أو يحذف حكم القاضي الأول ، حتى لو علم بفساد مدركه . وهذا معناه المنع عن تأسيس محكمة أخرى علينا أو - كما عبرنا - جر المدعى عليه إلى مرافعة ثانية . ولكن القاضي إذا لم يحكم بالنكول ، إذن ، فمع حصول النكول ، لم تنحسم الدعوى . فقد نحتمل أن القاضي الآخر يمكنه من الناحية الفقهية حسمها أو يمكن للمدعى عليه أن يبين مثلا أمامه دون الأول ونحو ذلك من الملابسات التي تتدخل في الحال . فيكون هناك مجال للرجوع إلى محكمة أخرى .