السيد محمد الصدر
200
ما وراء الفقه
الاتهام ، لأن الأمر سوف يفوت كثيرا من القضايا ، ومن المعلوم أن القضايا الشخصية إذا تعددت جدا ، شكلت مصلحة عامة . وقد يجاب ذلك : بأن الشارع الإسلامي المقدس ، كان يعلم بهذه المصالح العامة حين حرم الاتهام بدون دليل ، ومعه تكون تلك الأدلة شاملة حتى لصورة وجود المصلحة العامة بخلافها . وجواب ذلك : إن الدليل الشرعي على ذلك لم يستفد من الكتاب والسنّة بعنوانه يعني بالنص القائل : لا يجوز الاتهام بدون دليل . بل استفدنا هذا الحكم من القواعد العامة ، كما سبق يعني بصفتها تطبيقا لأحكام أخرى كحرمة إيذاء المؤمن وغيرها ومن المعلوم أنها جميعا لا تقوم ضد ما قلناه من اقتضاء المصلحة العامة للاتهام ، بما لا حاجة الآن إلى تفصيله . يبقى أمر واحد يحسن الالتفات إليه ، وحاصله أن الأمر الثاني أو المصلحة العامة الثانية التي أشرنا إليها ، قد تقتضي إهمال الحكم بحرمة الاتهام تماما ، والالتزام بالاتهام ، ما دام ذلك محتملا . ويمكن الجمع بين الجهتين بأن مقدار الظن يختلف ، كما أن المظنونات أعني الجرائم المحتملة أيضا تختلف جدا ، فإن أخذنا بمقدار الظن قلنا إنه إن كان راجحا جدا كثمانين بالمئة مثلا ، أمكن الاتهام وإن لم تقم حجة شرعية . وإن أخذنا بمقدار المظنون لاحظنا أهمية الجريمة المحتملة فإن كانت قاسية وضخمة أمكن الاتهام كذلك أيضا ، وأما إن كان الظن ضعيفا كما لو كان مجرد احتمال أو كانت الجريمة معيّنة كسرقة دينار واحد مثلا . لم يجز الاتهام بدون حجة شرعية . وإذا ركَّبنا بين الأمرين وخلطنا بينهما أمكن القول : بأن الجريمة كلما كانت أكبر كان مقدار الظن أقل ، وكلما كانت أهون كان مقدار الظن أكبر ليجوز الاتهام بدون حجة شرعية ، كما هو معلوم لمن يتأمل . ويختلف هذا باختلاف الموارد جدا ، ويكون تشخيص ذلك إلى الحاكم أو القاضي نفسه .