السيد محمد الصدر

138

ما وراء الفقه

المستوي الأول : مستوي التسليم بالحكمة الإلهية ، بعد أن نعرف نحن كمسلمين بأن هذه العقوبات صادرة عن تلك الحكمة التي لا يغرب عنها مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وأنها أعرف بالواقع والمصلحة منا جميعا ومن الخلق أجمعين . إذن ، فالمجرمون يستحقون هذه العقوبات بالذات ، سواء سميناها قاسية أم لا ، وقد نهانا القرآن الكريم عن استعمال العاطفة والنواحي النفسية في العقوبات بقوله تعالى * ( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ ا للهِ ) * ، بل يجب إيقاع العقوبة على المجرم بكل صرامة وجدية . ما دام ذلك موافقا لدين اللَّه سبحانه . المستوي الثاني : مستوي الفكرة القائلة ، أنظر من عصيت ولا تنظر إلى مدى العصيان . فإن العصيان مهما قل أو كان تافها ، فهو عصيان للَّه عز وجل الخالق العظيم وتحد لعظمته ومبارزة لمولويته ، وهذا وحده يكفي أن يكون أي ذنب يستحق عقوبة ضخمة جدا ، وكيف لا وهو الذي خلقني ورزقني وأعطاني هذا الجسد اللطيف والإحساس والحركة . ومع ذلك فقد عصيته بذلك ، عصيته باستغلال نعمه وإحسانه في عصيانه . ليس ذلك فقط ، بل قلنا في بعض الموارد : إن العصيان يكتسب من الناحية الأخلاقية جريمة لا نهائية من المسؤولية لأنه عصيان للَّه اللانهائي في صفاته وذاته ، وتلك المسؤولية اللانهائية تستحق عقابا لا نهائيا . ومن هنا ورد في بعض الأدعية : إلهي لو عاقبتني بكل نارك ما كنت لي ظالما . ينتج في ذلك أن هذه العقوبات المسطورة شرعا ، إنما هي رحمة للمجرمين وتتضمن عفوا عن العاصين ، أعني تخفيف عقوباتهم ، لأنهم كانوا يستحقون أضعافه ، فاقتصر التشريع الإسلامي الرحيم على ذلك ولم يزد عليه ، لأنه نازل من الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء حتى هذا المورد ، فأين القسوة في العقوبات . المستوي الثالث : بالنسبة إلى القتل الذي سبق أن عرفنا مناشئه وأسبابه ،