السيد محمد الصدر

133

ما وراء الفقه

عام . وإما عن تفاصيل تلك العقوبات ، كما سبق أن سمعناها في المرحلة الأولى من هذا الفصل . ولا ينبغي الآن الدخول في تفاصيل بعض الأمور التي يفترض أن تكون مسلمة في نظر القارئ اللبيب ، وإنما نشير إليها إجمالا لمجرد التنبيه ، ونوكل الاستدلال عليها إلى موارد أخرى : فأولا : إن مصلحة جعل العقاب أساسا في المجتمع وتشريع القضاء والمحاكم أساسا ، أمر حكيم وصحيح ومتفق عليه بين الأديان كلها والمذاهب والقوانين الدينية والدنيوية ، وذلك لأجل التقليل من الاعتداء والجريمة ، فإن من لا تنفعه الأمور المعنوية للارتداع عن ذلك لا بد من تهديده بالألم إذا هو فعله ، فيرتدع عندئذ مع وجود العقوبة فعلا على رأسه ، كما قال في الدعاء ( ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته ) . وهذا الأمر الصحيح ، إنما يكون صحيحا بغض النظر عن تفاصيل القوانين واختلافاتها ، وبغض النظر عن استغلالها واستغلال القضاء لمصالح أخرى ، وبغض النظر عن تسامح المجتمع وسلطانه في مطاردة المجرمين إلى غير ذلك من الأمور . وعلى أي حال ، ففي الأساس ، ينبغي لدفع الجريمة وجود كلا الإجراءين النظري والعملي ، وأعني بالنظري وجود قوانين العقوبات . وأعني بالعملي وجود القضاء المنفذ لتلك القوانين . إذ من الواضح أنه بدون الثاني لا يؤثر الأول أي أثر ، كما أنه بدون الأول يكون القضاء ظلما تماما فلا بد من حدود وقوانين تنظمه وتضبطه . ثانيا : إن المسلم بل كل متدين بدين إلهي ينبغي أن يعترف بالحكمة المطلقة للَّه عز وجل وأنه لا يفعل ولا يقول إلا ما هو المطابق للحكمة الواقعية سواء عرفها المخلوقون أم جهلوها . فإذا أضفنا إلى ذلك : تصديق المسلم بالإسلام وبصحة تعاليمه ، وأنها منسوبة إلى اللَّه عز وجل . عندئذ ينكسر رأس القلم وينقطع اللسان في