السيد محمد الصدر
91
ما وراء الفقه
فعندئذ لا يجوز أن يكون صوته أعلى من صوت النبي صلَّى اللَّه عليه وآله . كائنا ما كان مقداره . فلو كان الإخفات مصداقا لذلك كان محرما فضلا عن الجهر . الحكم الثاني : قوله تعالى * ( وَلا تَجْهَرُوا لَه ُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ) * . والجهر وإن كان يفهم منه عرفا ظهور جوهر الصوت في مقابل الإخفات الذي لا يظهر فيه ذلك . إلَّا أن المقصود هنا جزما ليس هو ذلك : وإنما ذاك مربوط بالصلاة كما في قوله تعالى « 1 » * ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ) * . وبتعبير آخر : إن الجهر إن قرن بالإخفات كان دالا على ذلك . وفي الآية التي نتكلم عنها لم يقرن به بل أريد به معنى آخر . ومن الممكن أن نفهم منها أحد معنيين : المعنى الأول : زيادة الصوت ، أو ما هو القريب من الصياح . كما كان يفعل بعضهم تجاه بعض * ( ( كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ) ) * فهذا محرم لدى النبي صلَّى اللَّه عليه وآله . المعنى الثاني : التبذل في الكلام الذي قد يستعمله الفرد أمام مساوية في المرتبة الاجتماعية أو من دونه ، أو تجاه صديقه أو قريبه . فيكون هذا التبذل ممنوعا . بغض النظر عن درجة الصوت . والمعنى الأول هو المشهور ، ولعله الأقرب عرفا . وإن كان المعنى الثاني لا يخلو من وجاهة . وهذا المعني - أيا كان - ثابت سواء كان النبي صلَّى اللَّه عليه وآله في حال الحديث أم لا . وهذا فرقة عن الحكم الأول . الحكم الثالث : قوله تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ ا للهِ . ) * الآية . وهو دال على مطلوبية غض الصوت وتخفيفه بين يدي النبي صلَّى اللَّه عليه وآله .
--> « 1 » الإسراء : 110 .