السيد محمد الصدر

6

ما وراء الفقه

وهذا ينتج ضرورة تخصص الأفراد بنوع معين من الحقول والاختصاصات . وهذا ينتج بدوره أن المختص بأي حقل ، لا بد وأن يكون بعيدا نسبيا عن التعمق في الحقول الأخرى ، ومن المستطاع القول : بأنه لا يفهمها كما يقصدها ذووها المتخصصون بها . وهذه ظاهرة شاملة لكل الحقول ، فمن تخصص بالرياضيات لا يمكنه فهم الفلسفة وبالعكس . ومن تخصص في الطب لا يمكنه فهم الفيزياء وهكذا ، ما عدا ما يعود إلى اختصاصه من العلوم الأخرى ، لأن العلوم كما أشرنا في فصل سابق ، في تداخل كبير ، والاختصاصي يفهم مقدار الارتباط دون سائر التفاصيل الخارجة عن اختصاصه . وليس الفقيه بمستثنى عن هذه القاعدة . فبسبب اختصاصه الفقهي ، يصعب عليه الاستيعاب الواسع للعلوم الأخرى لا محالة . إلَّا ما ارتبط في حدود اختصاصه من العلوم . إلَّا أن هذا لا يشكل عذرا معقولا للفقيه في عدد من الحالات ، لأننا بعد أن نعرف أنه ما من واقعة إلَّا ولها حكم ، تكون سائر العلوم مربوطة بالفقه بشكل وآخر ، لأن العلوم عبارة عن مجموعة من الوقائع والحالات والأفكار المشمولة لأحكام الشريعة لا محالة . إذن فعلى الفقيه الالتفات إليها ، والأخذ بما هو مرتبط باختصاص منها على الأقل . ولا يجوز الإعراض عنها تماما . يضاف إلى ذلك أن الدراسة الفقهية كانت ولا زالت بعيدة عن العلوم الحديثة ، بحيث تختص التربية العلمية بما يختص بالدين من علوم ولا تعم العلوم الأخرى . فلا يكون للعلوم الأخرى أي تعرض من قريب أو بعيد ، أو قليل أو كثير عن التربية العلمية الدينية إلَّا ما استطاع الفرد تحصيله من الكتب والمصادر المتوفرة ، كاهتمام شخصي لا أقل ولا أكثر . وهذا أيضا ليس موردا قابلا للعذر ، لأن الزعم بأن هذه العلوم أجنبية عن العلوم الدينية غير صحيح لا محالة . بعد أن عرفنا وعرف كل فقيه بأنه ما من واقعة إلَّا ولها حكم . إذن فكل العلوم على الإطلاق فهي مجال فقهي في