السيد محمد الصدر

23

ما وراء الفقه

ويمكن أن يجاب عن ذلك بعدة أجوبة منها : أولا : أن هذا متوقف على أن نفهم من الآية أن العلة المنحصرة والوحيدة شرعا في الصحة هو التراضي . فكلما تراضى عليه الطرفان كان صحيحا ، ما لم يدل دليل على البطلان . والمعاملات التي نتحدث عنها من هذا القبيل . إلَّا أنه لا شك أن هناك قيدا فقهيا ارتكازيا حاصلا على إطلاق الآية ، وهو أن تكون المعاملة التي تراضى عنها الطرفان صحيحة شرعا ، ومفهومة الصحة في المرتبة السابقة ، ولا يكفي التراضي وحده في الصحة . وبتعبير آخر : أن الآية الكريمة أخذ في منطوقها عنوانين : ( الباطل ) و ( التراضي ) . فإذا شككنا في معاملة ، في اندراجها في أي من الطرفين ، كان من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية . فتأمل . وبتعبير آخر : أن في الآية الكريمة قرينة متصلة لفظية على عدم كفاية التراضي في الصحة ، لأن ( الباطل ) قد يكون مما تراضى عنه الطرفان ، وهو مع ذلك باطل وفاسد . وليس الباطل منحصرا في صورة الإكراه وعدم الرضا ، وإن كان هو الغالب . وإذا تم ذلك ، كان التمسك بالصحة في صورة مطلق التراضي تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية ، لأنه يتوقف على إثبات الصحة في المرتبة السابقة . ثانيا : ان عددا من معاملات المصرف ليست تجارة ، عرفا أو فقهيا كالسحب والإيداع والحوالة . بل هناك من المعاملات الحديثة خارج المصرف ليست تجارة أيضا . كالتأمين . وإنما تكون مشمولة للآية الكريمة ، إذا كانت تجارة ، لأنها تقول : إلَّا أن تكون تجارة . ومعه لا يمكن الاستدلال بهذه الآية على صحة مثل هذه المعاملات . وقد يخطر في الذهن : أن الإيداع والسحب ، شكل من أشكال التجارة لوجود الفائدة الربوية فيه .